على هونك يا قبطان


في رحلة طويلة بين مدٍّ وجزر وتعاقب الليالي كترادف الموج، يُبحر قبطانٌ على متن سفينته المتهالكة برفقة طاقمه الذي يكن له كل الوفاء والثقة.

رغم سفينته وعيناه اللتان تقعّرتا من شدّة القلق والشيّب الذي ترمّد على وجهه ورأسه من شدّة التفكير في رحلتهم وهُزال جسده الذي جعل عظامه شفافة، إلا أنه محظوظٌ بأن يحظى بهذا الإيمان من طاقمه في جُب المجهول.


ولكن، أأيمانٌ كهذا نعمة أم نِقمة؟


صباحٌ تلو ليلةٍ يتلوهما صباحٌ وليلةٌ اخرتا بتعاقبٍ استمر حتى امتلأت كل الجدران ولم يعد هناك متسع بأن تُنقش الأيّام لتحصى.

خشع البحر وتوسط الأفق القمر وتلألأت النجوم في الفضاء وشقّت السفينة بكل سكينة مسعاها للمجهول، ليلة كهذه بمثابة عيدٍ للطاقم يتسنى لهم النوم والاسترخاء من وعثاء العمل والسفر ووحشة الحال والنفس. فأخيرًا بعد صبر طال كثيرًا، ارتخت الجفون ولانت العضلات وصمتت الأفكار وحلّ السلام والاستقرار…


إلّا دفة السفينة لازالت تجدّف مجراها بين يدي القبطان الذي فقد نفسه بين رذاذ البحر المالح، أتاه أحد أعضاء طاقمه الذي استيقظ من نومه فجأة ليقنعه بأن يرخي المرساة ويحضى بليلة افتقرها القبطان حتى تشرق الشمس بيقينٍ جديدٍ يعم على الجميع. حملق القبطان في وجهه وكانتا عيناه مطوّقة بهالاتٍ سوداء بالكاد يُميّز بؤبؤهِما دون أن ينطق بحرف، اعتراه الخوف قليلًا ولكنّ إنسانيّته أصرّت عليه أن يكر كلامه مرة أخرى وأجابه القبطان بنفس النظرة التي يعتريها المرض.


مُغِص واضمحلت السكينة من حوله ولكن لازالت لديه العزيمة، فأراد أن يدفعه بخفة لعله يفيق من هذيانه ولكنه راسخ وثابت كما الجبل.. فأراد تخويف القبطان بتهديده بأن يبتر أحد أصابعه المتمسكة بذراع الدفة، فأجابه بنفس النظرة التي يقشعر لها الأبدان فلا يبدو أن التفاهم سيفيد معه. أخرج سكينة وهم بها على بُنصره آملًا بأن يفيق باللحظة الأخيرة ويترك الدفة لكن اصبع القبطان سقط دون رعدة منه…


بدأ الدم يغمر الأرض، وصُعق من هول اللحظة وفعلهِ، لازال القبطان بلا ردة فعل. أخرج منديلًا قماشي وبدأ يجبره على الجلوس ليضمد الاصبع المقطوع ولكنه لازال راسخًا. فهدده بأن يقطع اصبعًا آخرًا وهم بخُنصره على أن يخيفه هذه المرّة أو لعله استفاق وعاد لوعيه إلّا أنه لم يتحرك بتاتًا البتة وبُتر اصبعه الثاني.. صاح عليه بأنه سيرمي المرساة بنفسه إن لم يترك الدفة والدم بدأ يغمر الأرض وجن جنونه من فعلته.


لا زال الليل هادئ والبحر يعكس لآلئ السماء وباقي الطاقم في سباتٍ مستور، امتزج الخوف والقلق والهلع في ذرات الهواء التي بالكاد يتجرع استنشاقها أمام فعلته فإن لم يوقف النزيف سيموت القبطان قريبًا. جثى على ركبتيه متوسلًا له إلّا أن القبطان لازال يوجه السفينة بلا تعبير. ربط له معصمه وبدأ يخف النزيف ولكن بدأت تزرق يده إلّا أنها لازالت متمسكة بالذراع..


قال للقبطان: ماذا بك؟! كم أنت جشعٌ وأناني!

ما الذي تفتك بحق نفسك وغيرك له؟ ما مسعاك الحقير الذي جعلك وريث الخطايا والآثام؟

توقف وعد إلى رشدك وإن لم تفعل سأقطع يديك لأردعك عن هلاك نفسك وروحك المسكينة التي حبستها بين قضبان روحك المريضة!


وهذه المرّة هم بمعصمه المربوط وبتر يده الزرقاء فسقطت ولكن لازالت يده الأخرى متمسكة. تجمع الطاقم نتيجة صياح زميلهم ليروا هذه الفاجعة، فصاح يحدثهم ليقول: لقد سئمت أنانيّته! نُبحر لهلاكه برضانا؟ كلّا لن يجني على نفسه، كلّا لن يجني بنا في المجهول كلّا لن يكون القُبطان بعد اليوم! مهما أرغمته عن دفة السفينة إلّا أنه بكل أنانية متصنّم!

تلفت الطاقم على بعضه وبدأوا بالتسرسر بينهم وبين بعضهم ثم أقدموا ليعاونوه فيرغمون القبطان عن دفّته، تشبث جيدًا بيده وغرس قواطعه في ذراع الدفة لكي لا يُردع عن مكانه.. فمهما حاول الطاقم بسحبه إلّا أنه تجذر بذراع الدفة كما لو أنهما كيانٌ واحد.


رموا المرساة ورست السفينة بين لآلئ السماء ولازال بكل أنانيّة في مكانه، إذا بأحدٍ من الطاقم يقول: اقطعوا رأسه، فلن نهلك لهلاكه وإن كان قبطاننا! عم الصمت مرة أخرى ولم يعارض أحد هذه الفكرة.. كون الجميع مدركٌ بأن أنانية ومثالية القبطان تجاه نفسه وفي ابحاره ليست إلّا في مسيرتها إلى هلاكه وهلاك الجميع، أقدموا وكشفوا عن رقبته وتشاركوا من كل جهة في قطع رقبته ويده الباقية.


سقط وماكاد أن يفعل فقد بلغ هلاكه ورُمي كَمَيتةٍ في البحر و غمر دمه السفينة وكانت هذه ذكراه الوحيدة، فما أقبحها من براعة مثالية تفتك بصاحبها فتجعل إرثه الوحيد دمه…

تاه الطاقم بالبحر ما بين موجةٍ وتأنيب، خوفٌ وتهديد، ألمٌ ووعيد حتى بالكاد رسوا على شاطيءٍ حميد وعادوا بخزيٍ من أنانيته سيلحقهم إلى بعد حين والسفينة تشهد على ذلك…


النهاية.

Join