مقالة: أين أنا الآن؟ لقد فات الأوان!


مقدمة

ها أنا على مشارف عامي السابع والعشرون في هذه الحياة الغريبة، ولو عُدت بالزمن بضع سنين لوجدت نفسي تنقش لي قوانينًا وأهدافًا مطلقةً مرتبطة بسنينٍ محددة وشروطٌ صارمة، رغم أن هذه الخطة جميلة المسمع ولكنّها كانت على مدًى بعيد وتفتقر المنطق والجاهزية؛ كما لو أنني قلت: سأذهب للقمر غدًا. ولكن لن يكون الإنسان غير منطقي دون وجود سببٍ ما، وهذا ليس تبريرًا لفشل خطّتي بل فهم بقعة الخطأ التي تفشّت في ثوب السنين.


عُرفٌ اجتماعي لا تبرير له إلا إجماع الناس من حولك في اتباعه كي لا يخرجوا عن القطيع، قلقٌ موروث ومتفاقمٌ في حياةٍ تسابق الضوء، وتوقعات نُلبسها لباس الأحلام فتجعلنا ننظر للسماء دون المبالاة لواقع العثرات التي أمامنا، فنسقط ونتعثر وللأسف ليست كل سقطة كأختها حتى نأمنهن…


أنا هنا.

أنا في الطريق ولكن هذا الطريق يتطلب معاملة مختلفة؛ فاستخدام البوصلة فيه مختلف كونها لا تعتمد على القوانين الفيزيائية، وهناك عددٌ لا نهائي للاتجاهات عوضًا عن الأربعة المعروفة وكل الطرق قد لا تؤدي إلى روما.


فعند كتابة خصائص وحقائق هذه المسيرة المدعوة بالحياة بالكاد نجد فيها ذرّة منطق، فالأمر ببرمته عجيب وغامض وهذا ما يجب أن يكون عليه، فنقطة الاختلاف عندما نأتي بأدوات المنطق والقوانين ونفرضها في أمر لا ماهيّة له؛ نكون عرضة للاندلاع من تأثير القلق أو الخوف أو الرغبة في الإنتماء لأمرٍ ما وغيرها من المؤثرات الداخلية والخارجية التي قد نكون سببًا في وقودها وغالبًا ما سنكون.


نعلم عن طريق العجائب أنه لا يعود للخلف، بمعنى أننا دائما متجهين ولكن قراراتنا ومشاعرنا وافكارنا ومجتمعنا كلها تُكَون لنا خليط المسارات والخيارات التي سنتّخذ أحدها، وهذا سيفٌ ذو حدّين فالعبرة ليست بالمحطة القادمة أو متى سنصل لها بل العبرة بزاد الطريق الذي سنتخذه خليلًا لنا، فزاد الطريق إما أن يكون ناس من حولنا أو أفكارًا على عاتقنا أو مشاعرًا نواجه صعوبة في بلعها ومعتقدات ومسلمات ترصف لنا إما طريقًا أو عقبات. أعد النظر لرَحْلك وتخلص مما لا يعنيك ورتّب نفسك من نفسك لنفسك حتى تتخلص؛ ولا نقصد الخلاص المنتظر “الوهمي” بل التحرر مما لا يعني في هذه المرحلة من مسيرتك فلكل فكرة ضريبة أنت تدفع حملها.


لن يفوت الأوان.

ما أن يكون المسعى بتركيز واتزان بين تخبّط الطريق وتأمل اللحظة وتفاصيلها برفقة هواياة وأصحاب ومبادئ وإنجازات تصنع الذكريات، فسيكون جحيمًا ودولابًا ندور فيه بسرعة دون التمعن في الحياة واليوم واللحظة. فلا يُمرض الشخص وروحه أمرٌ أكثر من التجاوب مع المؤثرات الخارجية عوضًا عن نفسه الداخلية؛ فهذه البداية والنهاية. فالمتجر العشوائي لن يكون معطائا كالمتجر المنظّم، والصالة المبعثرة لن تكون مستأنسة كالصالة المرتبة، فالتفاعل مع العالم الخارجي يصوَّر من خلال قمرة داخلية تترجم لنا الحياة.


دروس الحياة تأتي بمختلف الظروف والأحوال والأوقات مهما كانت القرارات؛ ولكن أقنّنّا لها وقت للتفكر فيها ومراجعتها؟ فلا يمكننا التأكد من صحة الطريق قبل تجربته ولهذا مهمٌ أن يُعيد الإنسان ترتيب رَحْله بين الحين والأخر.


ختامًا

مئات من الأجيال التي مضت والتي ستمضي ولن تتشابه نسمة بالأخرى، وهذه ليست إلا فكرة تطمئننا بأننا ما دمنا نسعى لما نراه صحيحًا ونتسكع في مسيرتنا متأملين عجائبها بين التريث والعجلة عند الحاجة، فنحن في صدد درس جديد ومنظور مختلف وخبرة تجسد لنا هوية قناعاتنا ومبادئنا في كل مرحلة. أمّا سردي هذا فليس إلّا جزء من معاينة وإعادة ترتيب رَحْلي للمغامرات القادمة، سائلًا الله أن يهديني لما يعنيني.

Join