مقالة: الوحدة المعاصرة


تمهيد أيعقل أن يكون اليوم وومضةِ مروره كما الأمس؟

ففي يومنا الحالي وخلال الأربعة والعشرون ساعة أصبحنا نقوم بمختلف المهام وقضاء الحاجات بسرعة لم يحلموا بها اجدادنا.

ولن أسهب في هذه الديباجة وإنما أردت أن اعقبها بسؤال تردد في ذهني وهو، ماذا بعد هذه السرعة والاعتماد على النفس باستخدام التقنية؟


مقدمة كل يومٍ يمر تنسلخ منه قشرة من الانسنةِ ويحل محلها رُقعة مبتكرة، وإن لم يكن لها عوائد وفوائد بمختلف ألوانها. تسابق في ذلك بنو البشر ليسخرون الأرض وما عليها لذلك، ولكن لكل فعلٍ ردّة فعل مساوية بالقوة ومعاكسة بالاتجاه. قد لا نراها وضوح الشمس لكن وبالأخص المدن الحديثة اصبحت الحياة فيها سريعة إلى درجة أن البعض نسى مقومات الحياة كالتأمل والتفكر والتريّث في الأمور والسعي وتكوين مجتمع متآخي يتبادلون المنفعة، فلا يلام اذا كان يومه قائمًا على اشطار الثانية من أجل إرضاء هوس السرعة سواء كانت نابعةً منه أو انه يود المحافظة على منصبٍ مجتمعي لملاحقة آخر الصيحات.


الوحدة رغم أن الانسان أصبح في قرية عالميّة واحدة يصل فيها شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، إلّا أنها شيئًا فشيئًا أصبحت تحكم حياتنا الاجتماعية بسرعة التقنية حتى أصبح الإنسان مكبّلًا لما ترسم لنا من مسارات للتواصل وتأطير الحياة المجتمعية حيثما يريده الأغلبية لا ما يريده الشخص. ولا شك أن مع هذا التطور أصبح من السهل أن يجد الشخص من يتناغم معه ويشاركه الهوايات والتفضيلات، وحقيقة هذه من محاسن التطور والتقنية. ولكن، كثرة التعاطي وسهولة الوصول جعلا من هذه القرية سكّانًا مدمنين؛ فإن خالفوا هذه المسارات سيحاطوا بالوحشة. كون أنها هي الوسيلة والغاية فما عسى الإنسان بهجرانها؟ إلا أن هؤلاء السكّان عرضة للوحدة والاكتئاب والحزن أكثر من أي حينٍ حان.. فقد يُرى أن بهجرة التقنية وأدواتها المجتمعية دواءُ التريث لداء السرعة وترويضٌ للنفس وحالها، ولكن يأتي ذلك بضريبة أنّك أصبحت من الأقلّية المحدودة من الوصل والذي سيُدثر أثرها شيئًا فشيئًا بمجرد خطوّهِم لهذه الخطوة.


وهذا لا يحقق الانتماء، وهي أعظم قيمة عند الإنسان كونه مخلوق مجتمعي يسعى للانتماء في مجتمع له دوره فيه ويرتقي به ومنه. وهو أمرٌ ذو قطبان، فإما أن يكونُ انتماءٌ محمودٌ مع صحبة صالحة ترفع من الشأن أو مذموم مع رفقة متنفسهم مليء بالملذات المؤقتة. فهذا التخبط ما بين الهجران والإدمان أمرٌ دارج في ذهون الجميع، وليس بالسر أن الوسطية بالشيء هي طريق الاتزان.


تكيّفٌ يرثى له

بعد هذا الاسهاب والتأمل في حال المجتمع من مختلف زواياه، يأتي هذا الشعور الذي يتضاعف شيئًا فشيئًا وتبدأ القناعة بالاضمحلال بمواجهة ظروف الحياة السريعة التي جبرنا بأن نكون جزء من قالبها مع من لا ننتمي لهم. على سبيل المثال مجالسة زملاء العمل رغم تنافر الانتماء، أو الهجرة من أجل العمل أو الابتعاث وما شابهه من أحوالٍ تجبر الإنسان بأن يراعيها أو يصبح جزءًا منها، أو بالأحرى تصبح جزءًا أو كلًّا منه…


ومن منظور آخر قد يفرض الإنسان انتمائه لمجتمعٍ ليس من نفس فكره وحاله واهتماماته، وهذه مقومات الانتماء الأساسية فما الذي سيخلق التناغم سوى هذه المقومات وما شابهها؟

وقد يسعى الانسان جاهدًا بأن يفرض مشاعر الانتماء دون أن يعي مسعاه الذي سيستهلكه دون حصادٍ في نهاية المسيرة، وذلك قد يكون مع زملاء العمل أو مجموعة من الأصدقاء القدامى محاولًا إعادة المياه لمجاريها دون مراعاةٍ لاختلاف الحال والأحوال. أو حتى مع أقرب الناس له كعائلته مثلًا، كونها علاقةُ لا خيار للإنسان فيها فيجب أن يراعي اختلافات الآخرين ليستقر التناغم. فإن تجاهل ذلك بهدف فرض اختلافاته أو أن يُكره نفسه على أمرٍ ليس من اهتماماته، سينتج عن ذلك كورة من المشاعر الفياضة التي قد تنفجر في أي لحظة. وهذا في أحسن الأحوال، فقد يفتك الإنسان بنفسه محاولًا إشباع شعوره بالوحدة والرضاء عن النفس الزائف.


الوفاء بالميزان

فما الحل إذن؟

إذا نُزغ الإنسان من الوحدة وتعالت أصوات أفكاره في مخه؟

الإجابة على هذا الموضوع كمثله من المواضيع النفسية، سهلُ التنظير عنه ولكن في خضم الموقف يُشل الإنسان حتى من أبسط الأفكار.

عدل الإنسان في ميزان مشاعره هو بداية المشوار، ولكن قبل ذلك يجب عليه أن يتفكر في علاقاته حتى يتعين له معرفة القدر الذي يوفيه في كلّ كفة مع كلّ علاقةٍ وطبيعتها، فالعدل ليس كالمساواة.

ولكل علاقةٍ مردودٌ يجب أن لا تتجاوز توقعاتنا له، ولك الخيار في إشباع وحدتك مع حامل المسك أو نافخ الكير.


الخاتمة

هذه الحياة السريعة جشعة جدًا كونها فتحت لنا الحياة على مصراعيها وأرتنا ما نحب ونهوى ثم فرضت علينا طريقًا مليئًا بالإكراه وقليل بالقناعة والرضى، فالقناعة والرضى اليوم ليسا كالأمس يسيران كون أن الحياة كانت محدودة ملمومة. من شاشة جوالك تستطيع أن تصل العالم كلّه، رغم ذلك لا زالت الوحدة تزحف على أعتاقنا تأكل ما تبقى من أملٍ و طمأنينة مهما حاولنا إشباعها إلا أنها شرهة للمزيد…

فلنحذر من وهلة نغفل فيها فنكون ضحية للسرعة ولنتريث حتى نتفكر في خطانا فنصل وصلنا بقناعة ويقين.

Join