دَقّت الساعة …ودَقّ قلبي



في حفل لتوديع زميلنا (نواف) لانتقاله لعمل آخر،اسْتَعرضَ شريط حياته(العملية) معنا في كلمات بسيطة.


بدا في كلمتهِ أنّه لايريد عرض صولاته وجولاته لكي لا يأخذ وقت الحضور وهم الذين اعتادوا على قِلّة كلامه، خصوصاً وأحدهم قد أخذ السكّينة لتقطيع (الكيكة)،وآخر عيناه عليها.

في نهاية حديثه،بدأت عباراته تصبح غير مترابطة وختم حديثة بقوله (استروا على ماواجهتوا)...

ليستمتع الجميع بما تبقّى من الحفل.

في الحقيقة… لم تكن كلمات فقط... بل كانت مشاعر ...

مشاعر كثيرة وجياشة لم يستطع التعبير عنها.


لكن العين مرآة الروح...

كانت عيناه تتللألأ بعبارات لم تستطع الخروج من فمه، وكأنها حالة اختناق مروري داخل نفقٍ في ساعة ذروة.

اختلستُ نظرة سريعة لزملائي الحضور و أثار انتباهي

( خالد ) الذي يقارب الخمسين من عمره، وكأنّني أراه في سيارة بجانبه في نفس النفق.

بعد أن ذهب أغلب الموظفين, بَقِيَ مَن تربطه مع 

(نواف) - الموظف الذي ودعناه- ذكريات ليسترجعها في لحظات قد تكون الأخيرة قبل بداية حياة جديدة في عمله الجديد(حال الدنيا).

بدا على وجة (خالد)- صاحب الخمسين عاماً- علامات العجب- وقلت ممازحاً إيّاه

( هاه وش تفكّر ) تتقاعد مبكّر…


وكنت كأنني خط (الخدمة) بعد ذلك النفق...

أسهب علّي بعدها بحديث طويل مليء بالمشاعر... ابتدأها بقوله

( ياخي بنقاعد وفيه أشياء فاقدينها) ومدري نلحّق عليها وإلّا لا...

اعتقدت لوهله أنّه يرمز إلى تجربته لصعود قمة ايفريست أو الغوص في أعماق البحر الأحمر أو القفز من أعالي طائرة شراعية في سويسرا.

لم تكن إجابة خالد مختلفة, بل أنا من كنت مختلفاً لأنّها لم تدق ساعتي لموقف خالد ولم يدقّ قلبي وقتها


في ذلك الصباح, دَقّت ساعة خالد عندما قَصّ علي ما رآه ذلك اليوم...

قال لي: رأيت خلفي سيارة وفيها (أب مع بنته) وكانت بنته تلعب بلحيته وهو يوديها المدرسة.



الموقف لم يحّرك ساكنا عندي، لكنّها دقّت ساعة خالد...

فدقّ قلبه...



يقول خالد: “لي سنين ماوديت عيالي المدرسة ولا جبتهم من المدرسة..ما أدري كيف يومهم كان بالمدرسة وإذا رجعت البيت يا أصير أنا تعبان أو هم يلهون”


استرسل في حديثه يصف ويشرح ويتكلم وكُلّي استماع له, وكأنّه المُوقّت لمنبّة ساعتي فَدقّ قلبي معه


تَذكرتُ أبي وهو يأخذني إلى المدرسة الإبتدائية( التي تبعد ٥ دقائق) عن بيتنا- وأنا كُلّي متعة وكأنّني على متن طائرة في مقصورة الدرجة الأولى-بل في قمرة القيادة- يمازحني أيام ويرشدي أُخرى.


سَبحتُ في خيالي على ارتفاع ٣٠٠٠ قدم حتى اختلف ضغط الإذن, أرى (خالد) يتمتم بكلمات ولم أعد أعلم مايقوله

دَخل إلى القاعة (أكرم) أخونا من الهند -مهندس النظافة- واستهلّ بقوله وبلهجه بسيطة…بكلمات معناها ( أن الكيكة ذَكّرته بكيكة زواج بنته ).


(الكيكة) التي لم تُعجب أغلب الحضور, أعجبت (أكرم) فقط من النظر إليها. 

دَقّت ساعة أكرم... فَدقّ قلبه...

يأخذ ( أكرم ) قطعة من الكيك، ويقدّم أُخرى لزميلنا

(صالح) -حديث الزواج- 

يأخذ (صالح) جواله ليصور الجميع  صورة تذكارية (سيلفي)...


لم تُعجِب(خالد) الصورة الأولى التي تم التقطها...

طلب منه إعادتها...


قبل أَخْذه الصورة, وإذا بإتصال ل (صالح) تجعل عيناه تتكلم ولسان حاله, كلمات الشاعر صالح الشادي(ياللي أعرفك من شهر... كنّي أعرفك من دهر)


دَقّت ساعة صالح ... فدقّ قلبه

في بداية يومنا... نضع منبة الساعة... الذي قد أَلِفته أسماعنا.. لتُوقِظنا من نَومِنا...



في يَقظتنا تَمّرُ علينا مواقف... تُوقِظُنا مِن يَقْظتنا...



بعضها تكون بدون منبّة... بل أكثرها... لكنها دائما الأمتع...



نستمتع فيها لِلَحَظات... لحظات فقط... نعيش اللحظة بكل أبعادها... تدّق قلوبنا.. فتدّب فينا الحياة...

لكن ننسى أنْ نَضبط المنبّة مرة أخرى...لنعيش الحياة.




اضبط منبّة ساعتك...ليدقّ قلبك




كتبه- أحمد الذكير

9 ذو القعدة 1442

الخبر

Join