من يسبق جوارحك للوشاية بك؟


تأملات في راوية بينوكيو 

للأديب و الإيطالي: كارلو كولودي

أسفرت عن منحوتة تأملات تحليلية

الأحد, 31 مايو 2020 م.

الساعة:9:35 صباحاً.

المكان: بين أكواب فارغة وشبه ممتلئة وكوب منفرد ساخن من الشايّ حٌضر للتو.

حرف موسيقي:



التأمل مفتاح لمغاليق المدارك

أسماء الظاهري

بعد محاولات كسلى في وصف طريقة تعامل مشاعرها مع الحياة والأشخاص قررت أن تقتبس من الفيلم الكرتوني “شريك” قائلة:

“أنا كالبصلة!!”

ولكي تسيطر على حالة الاستهجان والضحك التي اعترتني وتمددت على أثرِها ملامحي: “كالبصلة!”.

أصبحتْ تُمثل بيديها في الهواءِ ولكأنها تُقشر بصل, وتردد ما تحفظه من ذاك المشهد: شخصيتي طبقة تلو الطبقة ..

رحتُ أفكر بعيداً عن الرائحة النتنة التي أنتشرت بين حوارنا الوجودي !

واستطرد وراء أفكاري وأتأمل حركة أناملها في الهواء وفي فكرة مالذي يمكن أن تشي فيه جوارحنا .. كيف ستصف “لياء” صديقتي فكرتها لو كانت بلا يدين.. كيف ستمثل الطبقات وهي تزيلها طبقة طبقة بالهواء؟

لقد وشت يدين صديقتي بعجزها اللغوي أكثر من محاولة وصفها لتقشير البصل للوصول إلى “مكنونها” كما تعبر دائماَ .. 

مكنوني .. مكنونج .. مكنونها .. وإلى الحد الذي جعلني أشعر بأن “المكنون”صديقنا الثالث الذي تصحبه معنا أكثر من كونها “مفردة” ..

وغصت في رحلة تأمل عميقة بدأت بسؤال:

ماذا سيحدث لو أستيقظت صباحاً ووجدت نفسك مبتور اليدين؟

لطالما كانت اليدين تهب لنا دونما ولادة حياة جديدة.. فعلى أيدي الأطباء تُمنح فرصة العافية وإستمرارية نسلنا البشري .. وعلى يد الرسام تولد لوحة فوحده من يمتلك تحويل اعجوبة اللون الأبيض لألوان عدة .. وعلى يد النحات تستفيق منحوتة من سباتها الطيني العدمي ..

يالله..“سباتها الطيني العدمي

ألا تتفقون يا أصدقاء بأنها جملةً بديعة؟

فلقد وهبت الحياة بخلق آدم من طين لازب على يد إلهاً حسن صنعه من خلقه..

وبالتخلص من المفاهيم والتصورات اللاهوتية وغيرها من الاستنادات الدينية وددت الاستطراد وراء فكرة صناعة الإنسان الأول حيث كان من تجويف طيني عدمي ونفخَ فيه الروح.. ليتحول لأعجوبة فريدة تسلك مسلكين طوال تواجده على هذه الأرض .. إما الإعمار أو الدمار..


حتى يكتب لها أن تولد على يدين إنسان يعمر الأرض بملكوت صناعاته الإبداعية..

فمن الذي باع للأديب الإيطالي كارلو كولودي فكرة أن يُولد على يديه رواية .. يحول فيها البطل “جيبيتو” عدمية خشب الصنوبر لدمية خشبية تنفخ فيها الروح .. 

ليكون “بينوكيو” اعجوبة تلك المدينة .. 

ولكن اعجوبته لم تمنحه الحصانة لعدم وشاية جوارحه به .. فأنفه ما فتئ يزيد طولاً مع كل كذبة جديدة يعقدها لسانه .. 

ولكن لعل لعنة جوارح “بينوكيو” كانت أشد وطأة, فأنفه كان يشي بكذبه .. وأرجله وشت بجحوده حيث أول مرة تعلم فيها أبجديات المشي هرب من والده .. وتضافر لسانه ليلفق لوالده تهمة تعنيفه والتعدي عليه ليزج به في السجن ..

بين وشاية الجوارح و أزمة التربية

لقد خلقكارلو كولودي تجسيداً لفلسفة جان جاك روسو حيال أزمة التربية التي برزت عقب الثورة الفرنسية .. فالقصة تبرز جوانب محاولة الأب في جعل الأبن “بينوكيو”طفلاً يعمر الأرض .. 

كما تصور لنا صعوبة تربية الأبناء ومعاناة الأولياء مع أطفالهم المشاغبين ..

كارلو كولودي كان فريداً في خلق جو الذي ينشأ فيه الطفل المشاغب بين رغباته العبثية و بين صوت الداخلي الذي جسده بشخصية “جيميني كريكيت” صرصور الليل المتكلم..

والذي أظن بدوري أنها شخصية جاءت لتبين لأولياء الأطفال بأن الفكرة البديهية الأولى لتصحيح سلوك الأطفال ك “بينوكيو” من خلال النصائح المباشرة وصريحة المفردة .. مثل:

عد للمنزل ,, لا تطيع ذاك .. لا تصدق هذا ..  غير مجدية إطلاقاً .. 

حيث قام الكاتب بجعل الطفل يقتل “جيميني كريكيت” ليتخلص منه ويبرر فعلته تلك بأنه يستحق وما حدث نتيجة لخطأ جيميني لا خطأه .. 

ورغم حدة تصرف بينوكيو وإقدامه على قتل جيميني كريكيت إلا أن شبحه يطارده ليقدم له المزيد من النصائح كناية عن مثابرة الأباء في تصحيح سلوك أبناءهم رغم ما يتلقونه من ردود أفعال حادة و قاسية من أبناءهم ..

الشر والخير أقطاب كل قصة .. لكن وحدها النهايات تحدد انتصار أحداها

لقد كان للشر دوراً بارزاً في رواية بينوكيو , متجسداً في شخصيات عدة, ووضعته في مآزق عدة ما كان له أن يتعلم منها .. فقد باعوا له وهم زراعة النقود الذهبية مما سيجعله يمتلك أشجاراً من الذهب ..

ولا تسفر عن هذه الفكرة سواء أنهما قتلوه شنقاً .. وبهذه النهاية ينتصر الشر على مساعي والده الحثيثة في جعله طفل يعمر الأرض, ونصل في نهاية لفكرة الكاتب كولودي الجوهرية في أن التمرد واللهث وراء عبثية الفوضى والأفكار تسفر عنها نتائج وخيمة لن يفلح والداك في إنقاذك منها .. 

لكن ..

رئيس تحرير الجريدة آنذاك طلب من كولودي الإستمرارية بالكتابة وأن يختتمَ القصة بنهايةٍ أفضل من هذه ..

ويضيف بدوره الجنية الزرقاء لتنقذ الدمية ليحظى بفرصة يستغلها ليصحح فيها أَخطاءهُ ويطلب الغفران من جيميني كريكيت ليعفو عنه .. في مشهد حواري يوثق لنا إمكانية جيميني في الانتقام من بينوكيو لكنه لا يفعل تعزيزاً لقيمة العفو, و تأكيداً على أن كما قال نصاً:

عالمنا هذا يجب أن نكون لطفاء ومهذبين مع الآخرين, إذا أردنا أن نلقى نفس المعاملة حين نقع في المشاكل”..


إن كانت الجوارح في مغامرة بينوكيو وشت به .. و أدت به للمهالك فمن المحرك الرئيس لذلك؟

هل هيمنة الدماغ بعملياته ومسئوليته بشكل مباشر عن مشاعرنا كالخوف وعدم القدرة على الانخراط في العلاقات الإجتماعية, دورا في الوشاية ؟؟

الدماغ

العضو العجيب الغامض .. وفي محاولات البشر لكشف الستار عنه وفحصه “التصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي"، وهي واحدة من أشهر طرق المسح التحليلي بالأشعة، والتي لا تقيس في الواقع سوى التغيرات الموضعية لتدفق الدم إلى مناطق في الدماغ، ولا تصور الأعصاب بشكل مباشر..

حيث يصور لنا الدماغ كبناية خيم عليها ليل شتوي حالك .. ونحن نقف على ناصية الشارع ونسترق النظر لنوافذها المضاءة .. فمازال إضاءة شقة “سعدون” الجار الغاضب مضاءة .. وكذلك شقة “زيدون” الجار المتوتر دوماً من فواتير المياه والكهرباء .. بالإضافة لشقة“عاتكة” المبتهجة على الدوام .. 

فإضاءة أجزاء بعينها من الدماغ أثناء عملية المسح تلك، فإنها تشير حينذاك إلى أنها هي المسؤولة عن أداء تلك المهمة..

أما تراه صراع الأزلي بين الخير و الشر في النفس البشرية له كامل الصلاحية في تحديد الوشاية تأتي من إي جارح من جوارح؟..


Join