مراجعة كتاب


“أعرف كيف يغرد الطائر الحبيس”

مايا أنجلو


بقلم د. عواطف الحربي



إعداد وتقديم:

د. عواطف الحربي


عنوان الكتاب: (أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس):

عند اختِيارها للعنوان لجأت "آنجيلو" لـ"بول لورانس دنبار"، وهو شاعر أمريكي من أصل أفريقي، وقد حازت أعماله على إعجابها لسنوات طويلة، فجاء عنوان كتابها من المقطع الثالث من قصيدته "التعاطف":

أعرف لماذا يغرد الطائر في قفص، وهو يتوجع،

عندما تظهر رضوض جناحيه، وقرحه في صدره،

عندما يضرب القضبان، ويريد أن يغدو حرًا

هذه ليست أنشودة للفرح، ولا للغبطة،

بل هو الدعاء الذي يرسله الطائر من أعماق قلبه

إنه النداء الذي يتصاعد نحو السماء،

ها هو يحاول الهروب فقط

أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس في قفص.

وقد مثلت استعارة الطائر الحبيس حبس "مايا" الناتج عن العنصرية والقمع، كما أثارت هذه الاستعارة التناقض المفترض المتمثل في غناء الطائر الحبيس في خضم صراعه.

سبب تأليف الكتاب:

حين أعربت "مايا" عن اكتِئابها الشديد في الشهور التي تلت اغتِيال "لوثر كينج"، حاول صديقها "بالدوين" رفع روحها المعنوية، فدعاها لحفل عشاء، وهناك بدأ الضيوف في سرد ذكريات عن قصص طفولتهم، ونالت قصص "مايا آنجيلو" إعجابهم، وفي هذا الحفل تحداها المحرر" روبرت لومس" بدار نشر راندوم هاوس لتأليف سيرتها الذاتية، فدفعها ذلك إلى كتابة سيرتها الذاتية الأولى "أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس"، وقد صرحت مايا أن "لومس" حفزها للكتابة عن طريق تحديها، وطبقًا لما قالته "مايا" عن نفسها، فإنها كانت غير قادرة على مقاومة أي تحدي. وحينها بدأت مايا فعليًا في الابْتِعاد؛ لتأليف هذا الكتاب "أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس"، وقد أخذ منها هذا العمل عامين في كتابته.

طقوسها في الكتابة:

تصف "آنجيلو" كتاباتها بأنها تخضع لنظام صارم، وبدءًا من" أنا أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس" استخدمت "آنجيلو" طقوسها الكتابية نفسها لسنوات طويلة. تستيقظ في الصباح الباكر، وبعد تناولها وجبة الإفطار مع زوجها تذهب إلى إحدى غرف الفنادق، وتطلب من العاملين إزالة أي صورة على جدران الغرفة، ثم تكتب على وسادة يسمح لها باستخدامها، وفي دفترها، وهى مستلقية على السرير، وفي يدها زجاجة من الخمر، ومعها أوراق اللعب، ومعجم قاموس المفردات، ونسخة من الإنجيل، وتعمل هناك حتى الثانية بعد الظهر، ثم تغادر بعد أن تكون قد فرغت من الكتابة. ويتراوح معدل ما كانت تكتبه بين 10-12 صفحة يوميًا، وتقوم بتعديلها في المساء لتصل إلى ثلاث أو أربع صفحات. واستمرت "آنجيلو" في ممارسة تلك الطقوس، حتى تخفف العذاب، والكرب، وعاصفة الغضب، والإجهاد، والاندفاع. وكانت تقول: إنها لم تجد أفضل من الإفصاح بالحقيقة مداو لآلام ذكرياتها.

ولم تتمكن "آنجيلو" من العمل في منزلها أبدًا معللة بقولها: أحاول دائمًا جعل منزلي جميلاً، ولم أستطع الكتابة في محيط جميل، فذلك يلهيني.

نوع الكتاب:

يصنف هذا الكتاب بوصفه سيرة ذاتية روائية؛ حيث زاوجت فيه الكاتبة بين السيرة الذاتية والرواية، فقد امْتَزَجت فيه كتابة السيرة الذاتية (التي تؤرخ تاريخ حياة الكاتبة) مع تقنيات الرواية، مثل: الخيال، والحوار، والتشخيص، وتطور الفكرة، ونمط العرض، والحبكة، واللغة، مما جعل كتابها يصنف ضمن السيرة الذاتية الروائية.

نبذة عن الكتاب:

- الكتاب صادر عن دار ميلاد عام 2016م، بترجمة إياد عبد الرحمن، وتقديم الإعلامية أوبرا وينفري.

- كتاب" أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس "سيرة ذاتية كتبتها الكاتبة والشاعرة الأمريكية "مايا آنجيلو" عام 1969م حول السنوات الأولى من حياتها، تتحدث فيه عن النمو النفسي والعقلي للكاتبة من مرحلة طفولتها إلى مرحلة بلوغها، والكيفية التي تساعد بها كل من قوة الشخصية وحب الأدب في التغلب على العنصرية والآلام النفسية، فيبدأ الكتاب عندما يتم إرسال "مايا" وأخيها الأكبر إلى "ستامبس" بـ"أركنساس"؛ ليحيا كل منهما مع جدتهما، وينتهي عندما تصبح مايا أمًا في السابعة عشر من عمرها.

- منح الكتاب "مايا آنجيلو" اعترافا عالميا وشهرة كبيرة، وهو يمثل الجزء الأول من سلسلة سبعة أجزاء لسيرتها الذاتية، بتّت فيه في قضايا هامة، مثل: الهوية، والعنصرية، وحياة النساء في المجتمعات الذكورية، وحقوق الأطفال، وأهمية العائلة، والأمومة، والتعريف بالذات، والكرامة الشخصية، وأهمية التعليم الذاتي، وصنعت من خلاله شخصية رمزية تعبر عن كل فتاة مقموعة ومظلومة في هذا العالم.

- كتاب عن الكفاح والصمود، عن الصراع والرغبة في التصالح مع النفس، إنه قاس، مؤلم، جارح، ومؤرق، ولكنه ملهم إلى حد بعيد، ففيه نلحظ تحول "مايا آنجيلو" التي خرجت من دائرة القمع والظلم والاستبداد والعمل في نوادي البغاء إلى شاعرة وأيقونة أدبية عظيمة، تلقي قصائدها في حفل تنصيب الرئيس "بيل كلينتون"، ويقلّدها الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" وسام الحرية الرئاسي.

- شاركتنا "مايا آنجيلو" تفاصيل حياتها الخاصة، كي نستوعب المعنى الحقيقي للإنسانية، كالحنين، والفراق، والأمان، والأمل، والتعجب، والكراهية، والغموض، وكي نستكشف ذواتنا، وكي نعرف أن للحب مقدرة على تحريرنا من كل شيء، ومن كل شخص، حتى من أنفسنا.

- ذكرت في الكتاب حادثة اغتصابها وهي طفلة في سن الثامنة، وكان سبب ذكرها لهذه التجربة أنها تريد أن تبين تعقيدات الاغتصاب، بحيث يمكن لأي شخص تعرض لذلك كسب التفاهم، وليس إلقاء اللوم على نفسه.

- كما سلطت الضوء على مشكلات وعيوب المجتمع الأمريكي، دون مواربة أو خوف من أحد، ودون دفاع عن أحد، وأصبحت المرأة السوداء الأكثر سطوعا في سماء أمريكا.

- تم تدريس هذا الكتاب في مدارس وجامعات العالم، كما تصدر قائمة النيويورك تايمز لأفضل الكتب مبيعا مدة سنتين كاملتين، ونال الجوائز والإشادة من النقاد.

- قدمت نسخة سينمائية من الكتاب، تم بثها عام 1979م.

- ساعد الكتاب علماء النفس في النظريات والبحوث العلمية الخاصة بتعليم وتطوير موضوعات التنمية الخاصة بالطفل، مثل: تنمية مفهوم الذات، والثقة بالنفس، وصمود الأنا، والمثابرة في مقابل الدونية، وآثار الاعتداء، وأساليب الوالدين، والعلاقات بين الأخوة، والصداقة، وقضايا الجنسين، والتنمية المعرفية، والبلوغ، وتشكيل الهوية في مرحلة المراهقة.

ملخص الكتاب:

تقع هذه السيرة الروائية في 392 صفحة، وتدور الأحداث فيها حول الشخصية المحورية "مايا"، وهي متسلسلة، ومصنوعة كسلسلة من القصص القصيرة، في ستة وثلاثين جزءا.

وفي البداية أحب أن أنوه على أن كلام الكاتبة في الرواية كان عفويا طاهرا، وضعت فيه مشاعرها الصادقة، وبرعت في الكشف عن خبايا الذات، وكانت على استعداد للتركيز على الجوانب السلبية في شخصيتها واختياراتها؛ فهناك سطور بكيت معها، وسطور قفزت بجانبها فرحا.

كما أود الإشارة إلى أنّ أسلوبها تميز بـ: وفرة الصور الحسية والعبارات البليغة الجذابة التي تأسر الأذواق، وبراعتها في سرد القصص وتصويرها للحكمة والندم والفكاهة، وأسلوب السخرية والمرح والطرفة والذي خفف كثيرا من ذكرياتها المؤلمة، وسيتضح كل هذا جليا أثناء استعراضي للكتاب، فدعوني أقدم لكم هذه السيرة باختصار:

1- تبدأ أحداث "أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس" بأولى ذكريات "مايا"، وتترتب زمنيا، لكن دون ترتيب دقيق، فقد تتقدم بعض الأحداث على بعض في أحيان قليلة، وكانت أولى ذكرياتها عندما كانت في الثالثة من عمرها، وكان أخوها "بيلي" في الرابعة، حين وصلا إلى مدينة "ستامبس" بولاية "أركانسس" عند جدتهم لأبيهم "آني هيندرسون"، بعد أن انتهت زيجة والديهم المضطربة، وتولى والدهم شحنهم بالقطار مثلما تشحن البضائع، وأوصى أحد الحمّالين برعايتهم، والذي بدوره تخلى عنهم.

عاشت "مايا" وأخوها "بيلي" مع جدتها وعمها المُعاق "ويلي" في مسكن يلتحق بالناحية الخلفية لمتجر تملكه الجدة، وهناك راقبت "مايا" تفوق وذكاء وإصرار الجدة وحفاظها على تجارتها، كما تعرفت على عمال القطن المسحوقين، واكتشفت حقيقة حياة السود القاسية في الجنوب.

2-في تلك الأثناء بدأ حبها للقراءة ينمو، وقرأت للكثيرين، أمثال: "روديارد كيبلينغ"، و"بتلر"، و"وليم ثاكري"، و"هينلي"، و"بول لورانس دانبر"، و"جيمس ويلدون جونسون"، إلا أنّ شكسبير وأعماله هما من كانا يحتلّا الصدارة في قلبها.

3-كان متجر الجدة هو المكان الأكثر حميمية بالنسبة لـ"مايا" في تلك المدينة إلى أن غادرتها في عمر الثالثة عشر، والذي كان بمثابة المدرسة المفتوحة تلقنت فيها صنوف الفهم وشاهدت ألوان السلوك، وقد تعلمت فيه أولى دروسها في الحياة، وصقلت مهاراتها في الحساب.

وهناك بدأت تشاهد العنصرية البغيضة، فذكرت حادثة دفنهم لعمها "ويلي" الذي تشوهه العاهات الجسدية بثمار البطاطس والبصل في متجر والدته؛ خوفا عليه من شباب "الكو كلوكس كلان" الذين كانوا يبحثون عن رجل أسود اعتدى على امرأة بيضاء، إذ كانوا معروفين بالتمييز العنصري وكرههم الشديد للسود، فيقومون بسحق كل ما يجدونه أسودا في طريقهم حتى لو لم يكن هو الجاني.

4-وفي عبارة بليغة شدتني تقول: "ترى ما الذي يميز بلدة جنوبية عن الأخرى، أو ما الذي يميزها عن مدينة شمالية أخرى، أو عن الضاحية مثلا، أو عن إحدى المدن الكبرى؟ الإجابة تكمن في الأكثرية الغير معروفة (هم)، والأقلية المعروفة (أنت). كل أسئلة الطفولة التي لا إجابة لها يجب أن تعبر مجددا بالمدينة كي تتم الإجابة عليها، الأسئلة المتعلقة بمفهومنا للمثالية والانتقاص، مفهومنا للقيم والمبادئ. تلك الأسئلة يجب أن تتم إجابتها أولا، وذلك لأنها السبب في تلون الناس، والتأثر بالأمكنة، وربما نشأة العنصرية، والتفرقة، والوصولية، والأهم من ذلك كله، الأقنعة التي نرتديها إلى الأبد، فنطمس بها ملامح طفولتنا البريئة".

لفتتني جدا علاقة "مايا" بأخيها الوسيم "بيلي"، حيث كان أعظم شخص في حياتها، وكان يدافع عنها بكل ما أوتي من قوة، كان الملاذ والأمان بالنسبة لها، فأي طفل يشعر بالوحدة ثمة أمنية بأن يتوفر له من يتعهد له بالحماية والأمان، بالنسبة لـ"مايا" كان أخوها "بيلي" هو منقذها الوحيد.

في مدينة "ستامبس" كان الفصل بين ذوي البشرة البيضاء وذوي البشرة السوداء جليا وواضحا لدرجة أن غالبية الأطفال السود لم يسبق لهم رؤية أشخاص بيض أصلا، والعلاقة بين الإثنين كانت علاقة بين ضعيف وقوي، فقير وغني، مستعبَد ومستعبِد، خادم ومخدوم، بشع وجميل. وكانت "مايا" تعتقد أن ذوي البشرة البيضاء ليسوا بشرا، هم فقط مخلوقات بيضاء؛ لأن أقدامهم صغيرة، وألوانهم فاتحة وناصعة، كما أنهم لا يسيرون بأقدامهم العارية بل ينتعلون أحذية ذات كعب عال، وصدور نسائهم مبنية خارج أجسادهن، لأنها رأت وللمرة الأولى في حياتها حمّالات صدور النساء البيض متكدسة في سلال الغسيل.

5- حظيت "مايا" بجدة رائعة ومميزة في شخصيتها، وقد استمدت منها القوة والانضباط والإصرار على الحياة الكريمة والثقة بالنفس، فمن وصاياها التي كانت تستعين بها لمواجهة الحياة: "لا تكن سيء الخُلق، وسيء الخِلقة"، وكانت في كل ليلة من ليالي الشتاء القارس تجبرهم على الاغتسال بالماء البارد قبل الذهاب للفراش، ثم تقول لهم: "ليس بوسع الأنقياء أن يعرفوا متى تتسخ أرواحهم، ولذا عليهم أن يغتسلوا مرارا".

كان من يسمونهم بـ"القمامة البيضاء" من العائلات البيضاء الفقيرة التي عاشت في منطقة السود قد تمادوا كثيرا في تجاوز الحدود، بيد أن الجدة أخبرتهم أنهم كلما تجاهلوا ذوي البشرة البيضاء كلما كان أفضل لهم، وذكرت "مايا" أنها عندما كانت في العاشرة من عمرها أتى فوج من الصبية البيض إلى متجر الجدة، والتي طلبت منها أن تدخل داخل المتجر، وقف الصبية أمام الجدة وتمادوا في السخرية منها ومحاولة استفزازها، حتى أن واحدة منهم تعرت أمامها وكشفت عن عورتها، واكتفت الجدة بأن كانت تغني وتدعي بصوت جهور، إلى أن ذهب الصبية ورجعت الجدة إلى المتجر لتفتح الباب وتنظر إلى "مايا" التي انفجرت بالبكاء، ورغم ما حصل كانت جدتها قوية وثابتة، وكان وجهها قمرا مضيئا، والأكثر من هذا سعيدة، مما جعل "مايا" توقن بأنّ جدتها قد انتصرت في تلك المعركة، إن كان من الصحيح تسميتها بذلك.

6- كان للكنيسة وللقيم الروحية التي تلقتها وهي صغيرة أثر على كتاباتها وحياتها. وذكرت "مايا" كرهها للقس "توماس"، وكيف تقوم بتجاهله وإطفائه مثلما تطفأ المصابيح، ثم تذكر أنّ إطفاء الآخرين وإشعالهم كانتا مهارتين تجيدهما بشكل جيد للغاية، فكانت على سبيل المثال معتادة على جعل بعض الأطفال مرئيين ولكن غير مسموعين، وأحيانا غير مسموعين ولا مرئيين أيضا، بل تطورت موهبتها لجعل نفسها غير مرئية ولا مسموعة، فقط منصتة لما يتردد من أصوات. (أحيانا نحتاج لإتقان هذه المهارة).

7- تزوجت الجدة ثلاث مرات، وزوجها الأول "جونسون" هو من أنجبت منه والد "مايا" وعمها "ويلي"، وكانت سياستها في التعامل مع البيض ثابتة، فهي تؤمن بأن من غير الممكن أن يتعامل أحدهم مع شخص أبيض دون أن يخاطر بفقدان حياته، وبطبيعة الحال من غير الممكن الحديث مع البيض بطريقة فجة أو الإساءة إليهم، وإذا سألها أحدهم ما إن كان ذلك جبناً، أجابت: بأنها –وبكل بساطة- امرأة واقعية.

8- ومن العنصرية التي تذكرها "مايا" وهي طفلة، أن ذوي البشرة البيضاء كانوا يحرمون الزنوج تناول المثلجات بنكهة الفانيلا طيلة العام، باستثناء يوم الرابع من يوليو، أما سائر العام فهم مرغمون بصفتهم سود البشرة على تناول المثلجات بنكهة الشوكولاتة.

وتحدثت "مايا" عن حالة الكساد التي ضربت أمريكا مدة عامين كاملين، والذي شمل الزنوج أيضا، فهو – وبخلاف كل شيء عرفته – لم يكن متعصبا، ولا يعرف معنى العنصرية، فزادهم فقرا على فقرهم، إذ كانوا بالكاد يؤمنون لأنفسهم ولعائلاتهم المال الكافي لشراء الأحذية والملابس والكتب الدراسية ومعدات الزراعة الخفيفة، وكانت الجدة أكثر ثراء من غالبية البيض، واستطاعت بقوتها وذكائها أن تحافظ على تجارتها رغم الظروف الاقتصادية السيئة.

خلال السنوات الخمس الأولى من حياة "مايا" كانت تفكر في نفسها بكونها يتيمة، وتجد راحة في إماتتها لوالديها، وظنها أنهم انتقلوا للرفيق الأعلى، ولكن في أحد أعياد الميلاد تتلقى هي وأخوها بعض الهدايا من والديهم، تلك الهدايا التي فتحت باب الأسئلة على مصراعيه، أسئلة لم يرد أيٌّ منهما أن يسألها: لماذا بعثوا بهما إلى هناك؟ ما الخطأ الذي ارتكباه كي يعاقبا على هذا النحو؟

اختلت "مايا" بنفسها في الفناء الخلفي وأخذت تبكي، ثم رأت "بيلي" يتهادى في مشيه، ويمسح بلل عينيه، وشرع هو الآخر في البكاء، قامت هي وأخوها بتمزيق بعض الهدايا من شدة الغضب، حالة الحزن تضخمت بداخلها، وشعرت بأنها تمزق من الداخل.

9- تظهر نقطة التحول في الكتاب عندما يأتي والد "مايا" إلى "ستامبس" بقامته الضخمة ووسامته وحس الدعابة لديه، فرحت الجدة بقدوم ابنها، ورغم السعادة الغامرة التي اعترتها حين جاء، إلا أنها شعرت بالارتياح عندما أفصح عن رغبته بالمغادرة؛ لأنها أدركت وبحدس الأم طبعا أنّ ابنها الآخر "ويلي" المعاق كان يكتوي بكل مظاهر العافية والترف التي جاء بها أخاه، ثم تقول عبارة جميلة: "بحدس أمهات الطيور اللواتي تعبرن عن قلقهن عندما يرفرفن بأجنحتهن فوق رؤوس صغارهن، أبدت "ماما" قلقها إزاء ابنها المعاق، ولم تقلق مطلقاً على الابن الذي بدا أن بمقدوره فرد أجنحته والتحليق بعيدا بعيداً عن هذا العش".

وعندما غادر الوالد أخذ الطفلين معه، وكانت الجدة حزينة لفراق طفليها، ولكنها لم تعبر عن ذلك، ولم تطلق سراح دمعتها، تقول "مايا" عن جدتها في ذلك: "لا وقت لديها لإظهار الحب والعاطفة، هكذا كانت تظن، ولكني أشك في أنها قد فطنت ذات يوم لآثار الحب التي كانت قد تتركها في كل مرة تقوم بعمل ما، كل شيء تفعله كان بدافع الحب، حتى لو لم يكن ظاهره كذلك".

عند مغادرتها "ستامبس" كانت حزينة وخائفة، وتصف المشهد وهي في السيارة بعبارات بليغة، تقول: "نجحت في وأد التفاصيل من حولي، باستثناء صوت الإطارات التي راحت تقبل الرصيف، وصوت هدير محرك السيارة التي بدت وكأنها كانت في حالة أنين مستمر" (أبدع المترجم في نقل العبارة، وقد أجاد حقيقة في ترجمة الكتاب كاملا).

عندما سأل والدها أخاها "بيلي": بماذا ستشعر حين ترى والدتك؟ جاء السؤال كطعنة، اعترت "مايا" الرهبة فجأة، وعبرت عن حالة الهلع التي اعترت أخاها بقولها: "ترى كيف لجسد طفل في الثامنة من عمره أن يحمل بداخله هذا القدر الهائل من الذعر؟ لقد كان يبتلع الخوف بالتجزئة، ويحبسه ويمرره دفعة تلو الأخرى عبر مجرى حلقه".

عندما وصلوا إلى "سانت لويس" استقبلتهم جدتها لأمها "باكستر" صاحبة النفوذ الواسع. وفي حجرة الاستقبال كانا بانتظار رؤية أمهم، وتصف "مايا" مشهد رؤيتها لأمها أول مرة بقولها: "إنه لأمر استثنائي فعلا أن تعيش موقفا محددا يجعلك تؤمن بصدق العبارتين التاليتين: "دهشة حد الشعور بالغباء" و"حب من أول نظرة"، وبالنسبة لي هذا هو الموقف الذي رأيت به أمي للمرة الأولى... وقتها عرفت السبب الذي لأجله شحنت إلى جدتي كبضاعة رخيصة، فقد كانت هذه المرأة أكثر جمالا من أن يكون لها أيّ أطفال".

10- أقامت "مايا" و"بيلي" نصف عام في منزل جدتها لأمها "باكستر" التي تنحدر من نسل أوربي، وكانت صاحبة نفوذ واسع، وشخصية قوية مهيبة، فتتعامل مع المجرمين دون خوف أو وجل، ولها علاقة وطيدة مع رجال الشرطة، ساعدها على ذلك أبناؤها الستة أصحاب البأس الشديد، وكان أقربهم إلى "مايا" خالها "تومي"، والذي تقول عنه بفكاهتها المعهودة: "لم يكن غليظ القلب أبدا، بل كان وقحا فقط، وهذه الحالة الوسطية هي ما سمحت لي بتقبله أكثر من البقية"، وسبب هذا العنف الشديد الذي تتميز به شخصيات أخوالها تربية والدهم لهم، ففي صغرهم كان جدها يقول لهم: "أقسم لو قبض عليكم بسبب سرقة أو أمر تافه فسأدعكم تتعفنون في السجن، ولكن لو قبض عليكم بسبب مشاجرة، فسأبيع المنزل والسندات المالية لكفالتكم"، هذا النوع من التحفيز على العنف، بالإضافة إلى مزاجية جدها المتقلبة، هو ما جعلهم شخصيات عنيفة مهابة.

كان إيمان "مايا" ببشاعتها ودمامتها لا حدود له، وكانت تتعجب من الفارق بينها وبين أمها الجميلة في الشكل، تقول مثلا ساخرة من شكلها: "قامت أمي بقص شعري وفرد خشونته بمستحضر لتنعيم الشعر، فغدا رأسي وكأنه حليق كليا، فيما بدت رقبتي عارية أمام أنظار الجميع، وهو ما جعلني أشعر بالحياء البليغ من أن يسير أيما أحد خلفي كي يرى ذلك المنظر الغير باعث على السرور أبدا".

وذكرت أيضا سبب تسميتها بـ"مايا"، وذلك أن "بيلي" وهو صغير قد استنبط صلة القرابة بيته وبينها، فكان يناديها بـ"ماي سيستر"، ثم اقتصر نداؤه على "ماي"، قبل أن يستقر أخيرا على "مايا".

بعد نصف عام انتقلوا للعيش في منزل والدتها، وكان يعيش معهم السيد "فريمان" صديق أمها، والذي كانت ترى أنه لا يستحقها، فمع شدة جمال أمها، كان هو دميما، ويكبرها بسنوات، مما جعل "مايا" تقول عبارتها البليغة: "إنه مثل أولئك الرجال الذين يستعيضون ما هرب من أعمارهم بالزواج من شابات يصغرنهم بسنوات كثيرة".

11- كان السيد "فريمان" هو من يجلب لوازم البيت جميعها، مع أن والدة "مايا" كانت تعمل في التمريض، وفي صالات القمار، وصفت "مايا" علاقة والدتها بـ"فريمان" بقولها: "كنت أشعر بالأسف الشديد لأجل السيد "فريمان" تماما مثلما كنت أشعر بالأسف لصغار الخنازير التي كانت تربيها "ماما" في ولاية "أركانسس"، فنحن كنا نطعم هذه الصغار طيلة العام حتى تصبح سمينة، ثم إذا حان موسم الصقيع قمنا بسحبها إلى المسالخ حيث نقوم بذبحها، ورغم أني كنت أشعر بالتعاطف الشديد تجاه تلك الصغار التي لا حول لها ولا قوة، كانت تلك العاطفة تتبدد لمجرد أن يخطر ببالي مذاق لحومها التي نهنأ بها لقاء موتها. السيد "فريمان" هو خنزير أمي الصغير". (علاقة غير سوية: حب مقابل مال)

كانت "مايا" وأخوها يقومان بتأدية فروضهم المدرسية، وغسل الأطباق، وأكل عشائهم كمتطلبات رئيسية لمزاولة هواياتهم، والتي تشمل قراءة المجلات أو الاستماع إلى الراديو، وشيئا فشيئا بدأ السيد "فريمان" يقترب منهم ويصادقهم، بعد ذلك بدأ بالتحرش بـها، وكانت "مايا" تجابه الأيام بذات الاعتقاد الذي حملها على العيش في "ستامبس": "أنا ما جئت حتى أبقى"، كما كانت الكتب والمكتبة العامة هي الملاذ الهادئ الذي تنسحب له "مايا" عندما تواجه أزمة، فقد كانت منذ طفولتها تعشق القراءة، وبدا واضحاً أنها نالت كفايتها من القراءة من خلال أسماء الكتب والروايات التي ضمنتها في هذه السيرة.

12- بعد ذلك وقعت حادثة اغتصاب صديق أمها "فريمان" لجسدها الذي لم يتجاوز الثمانية أعوام، انتهاك واقتحام رغم أنف كل المشاعر الممزقة، ورغم محاولتها لكتمان الأمر بسبب تهديد "فريمان" بقتلها وقتل أخيها، إلا أن جسدها الصغير وشى بها؛ لأنه لم يحتمل كل تلك الآلام، مما أقعدها طريحة الفراش، فعلمت أمها وأخوها "بيلي" بما حصل.

13- في المستشفى أخبرت أخاها "بيلي" بهوية الجاني رغم أنها كانت تردد في نفسها: "هل يا ترى سيظل أخي محبا لي لو صارحته بما قد جرى" وبعد أن أخبرته تقول: "شرع "بيلي" الجالس على حافة السرير في البكاء... لعلها كانت تلك هي المرة الأولى التي أراه يبكي بها بحرقة رغم كل ما عاصرناه من مواقف"، كان أخوها "بيلي" هو الوحيد الذي يقف معها في كل المحن، يساندها، ويحنو عليها، ويساعدها على الانتصار على إحساسها بالوضاعة، ويعاملها بكل كرامة واحترام بعيدا عن الشفقة، حتى بعد اغتصابها. (هذا الأمان الجميل مطلوب في كل العلاقات، فليس من السهل أن تخبر أحدا بما تشعر، وما ارتكبت من أخطاء، دون الخوف من ردة فعله، ومن تغير نظرته لك).

تم القبض على السيد "فريمان" وزج به في السجن، وأثناء المحاكمة كذبت "مايا" بشأن عدم تحرشه بها من قبل، وأن الاغتصاب كان المرة الأولى التي يلمسها فيها بشكل غير لائق. حكم على المُغتصِب بالسجن لمدة عام ويوم، وأطلق سراحه في نفس اليوم الذي ترافعا فيه، ولكن تم قتله في نفس ذلك اليوم أيضا، ويظن البعض قيام أخوال "مايا" بقتله.

دفع هذا الحادث المؤلم وما أعقبه من إجراءات المحكمة وقتل "فريمان" "مايا" إلى الانزواء والوحدة واعتزال الناس، وكانت تظن أنها خسرت مكانها في الجنة، وستذهب إلى النار، ففرضت على نفسها الصمت الذي استمر خمس سنوات، وكما عبرت "مايا": "أبقيت فمي مغلقاً وضغطت على أسناني، فصرخة واحدة كانت ستجعلني أتقيأ الشر والخطيئة التي بداخلي على كل أبرياء العالم"، وتقول: "الشيء الوحيد الذي كان بوسعي القيام به هو عدم خوض الحديث مع الآخرين، ومقاطعة الجميع ما عدا "بيلي"، وكان هذا الاستثناء على الأرجح غريزيا بحكم حبي له... لقد توجب عليّ أن ألوذ بالصمت، اكتشفت لاحقاً أن قدرتي على إتقان الصمت كانت تقارب كلياً قدرتي على الإصغاء إلى أصوات الآخرين والأشياء"، في الأسابيع الأولى تقبلت عائلتها صمتها، وتعاملوا معه كردة فعل طبيعية لفتاة هتك عرضها وتم إيواءها المستشفى فترة طويلة، ولكن عندما طال الصمت بدأوا ينادونها بالوقحة والبليدة والخرساء، وكانت تنال الشتم، وفي بعض الأحيان التوبيخ، ولكن الأمر تطور لاحقاً ليصبح ضرباً عنيفاً تناله كلما شعر أحد الأقرباء بالإهانة أو الاحتقار.

بعد ذلك رجعوا ثانية إلى الجدة التي تسكن مدينة "ستامبس".

14- بعد عودتهم إلى "ستامبس" استمرت "مايا" منعزلة عن العالم المحيط بها، وملتزمة الصمت، وتولى أخوها "بيلي" مهمة الإجابة عن فضول أهالي "ستامبس" فيما شاهده الطفلان في "سانت لويس" الباذخة بالنسبة لهم، فقد جعلهما السفر أكثر الأشخاص أهمية في "ستامبس"، تقمص "بيللي" دور الحكواتي، وتكفل بالإجابة عن كافة أسئلتهم، ولم تكن إجاباته خالية من المبالغة والقصص التي يستدعيها من خياله الخصب، إذ وكما تقول "مايا": "بدا غالب حديثه جديدا بالنسبة لي مثلما كان جديدا بالنسبة لهم"، أما "مايا" فكانت كما وصفت نفسها: "فقط مركونة على الرف".

15- لمدة عام تقريباً تنقلت "مايا" بين البيت والمتجر والمدرسة والكنيسة دون أن يلقي لها أحد بالا، حتى التقت بالمرأة التي غيرت مسار حياتها، السيدة "مارثا فلاورز" الأرستقراطية، تلك المرأة الجميلة الأنيقة رقيقة الملامح، والتي جعلت "مايا" ولأول مرة تشعر بالفخر لكونها زنجية، فعلت ذلك لأنها كانت هي، ولم تحاول أن تتقمص دور أي شخص آخر، هذه السيدة الأنيقة دعت "مايا" إلى منزلها الذي لم يكن أقل جمالا وأناقة منها، نظرت "مايا" إلى غرفة المعيشة والتي لم تكن قادرة على تخيل مثيل لها حتى في خيالاتها الجامحة، تقول "مايا": "أردت أن أحمل الحجرة بكاملها بين يدي وأهرب بها عائدة إلى "بيلي" كي نتمعن بها معاً" (البلاغة مع الفكاهة). بعد أن ضيفتها السيدة "فلاورز" تلك الضيافة البسيطة التي قالت عنها "مايا": "كانت كافية لأن تعيش عليها طفلة صغيرة مثلي بسعادة طيلة عمرها"، بعد ذلك بدأت باستعراض أول جزء مما أسميتاه لاحقا دروس الحياة، فقالت لها "فلاورز": " لا أحد يمكنه أن يفرض عليك الرغبة بالكلام، ولكن ثقي تماماً من أنّ اللغة هي التي تربط الإنسان بأخيه الإنسان، وأن قدرتنا على الكلام هي وحدها ما تجعلنا نختلف عن بقية المخلوقات"، ثم تقول: "تقول جدتك أنك تقرئين كثيرا، في كل وقت فراغ تقرئين، هذا أمر جيد، ولكن ليس جيدا بالشكل الكافي، للكلمة قيمة أكبر بكثير حين لا تكون منحسرة بين الورق فحسب، إنها تمتزج بالصوت البشري، تكتسب وهجا حين التفوّه بها، وتمنح السامع معان أعمق"، حفظت "مايا" قولها ذلك، وأرشفت في عقلها فكرة أن يكون صوت الإنسان هو الوهج الذي يعطي الكلمة ذاك المعنى الأعمق، فكلامها كان شاعريا ودافعا للتصديق، بعد ذلك أعطتها بعض الكتب، واشترطت عليها قراءتها بصوت عال، وليس قراءتها فحسب، كما أوضحت لها أهمية التعلم الذاتي، فأخبرتها أن بعض الناس لا يحظون بفرصة الذهاب للمدرسة والتعلم، لكنهم في الواقع أكثر ذكاء من معلمي المدارس والجامعات، كما أوصتها بالتنبه لدروس الحياة والبديهيات التي يعرفها المرء دون الحاجة للذهاب إلى المدرسة، دروس تُختزل بداخلها الحكمة التي تتوارثها أجيال بعد أجيال. ظلت تلك اللحظات الجميلة متوهجة في ذاكرة "مايا"، ولم تنسَ قط كيف تمت دعوتها لدخول حياة شخص غريب على ذلك النحو المبهج، تصف "مايا" نفسها حين أهدتها "فلاورز" الكتب، وطلبت منها قراءتها بصوت عال: "حين قلت للسيدة بصوت عال أن ذلك كان أجمل شيء سأفعله، أجمل من كل شيء قد فعلته، ملأ عينيّ فيض من دموع المحبة، وكم كنت بحاجة لهذا الفيضان كي يكنس أعماقي"، ثم تقول: "لأول مرة شعرت بأن ثمة شخص غريب معجب بي حقا، وكم صنع هذا الشعور بداخلي فارقاً كبيراً، لأول مرة يعجب أحدٌ بي، أنا السوداء الدميمة، ليس لأني حفيدة السيدة "هيندرسون"، ولا لأني شقيقة "بيلي"، بل لأنني "مارغريت جانسون"".

هذه السيدة الجميلة شجعت "مايا" على استعادة صوتها وروحها المعنوية.

16- في ذلك الوقت كانت الفتاة البيضاء تختلف عن الفتاة الزنجية، ففي الوقت الذي كانت فيه ذوات البشرة البيضاء يتعلمن آداب الجلوس، وطريقة وضع كوب الشاي، وكيفية صرف المال ببذخ، كانت الفتاة الزنجية تتعلم كيفية مجابهة الحياة بأقل قدر ممكن من المال، فكان على كل زنجية أن تتعلم التطريز، والطبخ، والكيّ، وغسل الملابس؛ ولإتقان "مايا" لذلك كله عملت خادمة في منزل السيدة البيضاء "فيولا كولينن"، ولكن هذه السيدة أخطأت عندما أصرت على تغيير اسم "مارغريت" إلى "ماري" فشعرت بالإهانة والغضب، إذ كان من المغامرة أن ينادي أحد ما زنجيا باسم مشتق من اسمه، فكل زنجي كان يتحرز من مناداته باسم غير اسمه، وذلك بسبب القرون الطويلة التي نودي فيها الزنج بأسماء لا تنتمي لهم، مثل "العبيد"، "الطيور السوداء"، "الغربان". غضب "مايا" دفعها لأن تترك العمل عند هذه السيدة بعد أن قامت بتحطيم أفخر أوانيها، وغادرت البيت من بابه الأمامي وليس الخلفي كما يفعل الخدم عادة.

17- كان يوم السبت هو اليوم المفضل لـ"مايا"، إذ ألفت فيه القيام بأمور بسيطة تصرفها عن أعمال المنزل التي لا تنتهي، وتضخم هذا الشعور بعد أن عادت من "سانت لويس" حين اعتمدت جدتها لها ولأخيها مخصصات أسبوعية، واعتادت "مايا" منح حصتها من المال لأخيها "بيلي"، الذي اعتاد بدوره الذهاب إلى السينما، والعودة إليها لاحقاً بصحبة الكتب والمجلات المصورة. ذات ليلة سبت تأخر "بيلي" مما عرضه للضرب الشديد من جدتهما وعمهما "ويلي"، ولاحقا أخبر "مايا" أن سبب تأخره أنه رأى في السينما امرأة تشبه أمهما تماما، وهي الممثلة "كاي فرانسيس"، وعاهدها بأن يأخذها للسينما لو أعلن عن فيلم آخر تشارك فيه "كاي فرانسيس"، اضطرا للانتظار شهرين حتى تعود "كاي فرانسيس"، وتحولا وقتها لنموذج الحفيد المثالي الذي لطالما تمنته الجدة؛ كي تأذن لهما بالخروج. كان فيلما فكاهيا مضحكا، ولكن "مايا" لم تكن تضحك بسبب النكت البغيضة التي خُصّ بها بنو جلدتها، وإنما كانت تضحك لأن بطلة الفيلم كانت تشبه والدتها، تقول "مايا": "لقد جعلتني تلك الممثلة أشعر بالسعادة جدا، إنه لمن حسن الحظ أن يوفرّ المرء ماله لمرة واحدة على الأقل كي يرى أمه متى ما أراد، خرجت من صالة السينما تلك مثل طفل قد أهدي هدية قيّمة وغير متوقعة".

18- كانت حياة عمال القطن في الجنوب بالغة الصعوبة، ومهامهم الوظيفية أكثر قسوة من الحياة نفسها، وجوههم المتعبة وأبدانهم المنهكة تفضحهم، وتشي بعدم قدرتهم على تزييف الواقع، تقول "مايا": "لطالما ظننت عمال القطن هؤلاء ناقمين على أجسادهم، إذ كيف يرتضون لها العمل بمشقة وهوان كما تعمل الثيران، وكنت أكثر حرجا منهم حين أحاول التظاهر بأن الأمور لم تكن سيئة كما كان باديا عليهم"، وكان هؤلاء العمال من أحرص الناس على حضور التجمعات الكنيسية، فبعد خطب القساوسة كانوا يشعرون بسلام داخلي رغم الفاقة والفقر، تقول "مايا": "وحتى لو أنهم منبوذين في مجتمعهم، بدا كما لو أنهم صاروا ملائكة في طريقهم إلى الجنة".

19- وصفت "مايا" لحظات استمتاع السود في مدينة "ستامبس" بالانتصار العنصري عند استماعهم لبث إذاعي لبطولة الوزن الثقيل، والتي ينتصر فيها الأسود "جو لويس" على غريمه الأبيض، ويفوز بالجائزة في مجتمع يهيمن عليه البيض، عندها تجمهر الجميع رجالا ونساء وأطفالا في متجر الجدة، واحتفلوا في ذلك اليوم كما لم يحتفلوا من قبل.

20- رغم أن "مايا" لم تكن تستميل الجلوس مع الصغار أو اللعب معهم، إلا أن "لويز كيندريك"، وهي فتاة في مثل عمرها، أصبحت أول صديقة مقربة لها، واعتادت أن تمضي معها أوقاتا طويلة.

21- كانت "جويس" الفتاة الريفية التي تكبر "بيلي" بأربع سنوات هي أول شخص يحبه "بيلي" من خارج العائلة، كانت الأم التي قربته إلى العاطفة بأكبر شكل ممكن، وكانت الأخت الغير مزاجية، والتي لا تجتاحها رغبات العزلة ونوبات البكاء، ولكنها مثلما ظهرت فجأة، اختفت فجأة.

22- ذكرت "مايا" حالة الحزن التي اعترت السيد "جورج تايلور" بعد وفاة زوجته، وتصف شكله بقولها: "عيناه الشبه زجاجيتين كانتا خاويتين فقط، خاويتين بطريقة تفطر القلب تماما"، وعندما حضرت "مايا" جنازة زوجته وهي في سن الحادية عشر بدأت تدرك معنى الموت حقيقة، تقول: "إنني لم أدرك مسبقاً أنّ الموت والوفاة والمنية ومفارقة الحياة هي مصطلحات تمتّ لي بأي علاقة، بيد أنه، وفي ذلك اليوم الشاق كان بوسع تلك الجنازة أن تبرهن لي أنني لم أخلق لأكون خالدة".

لفت نظري بلاغتها في وصف مشهد الخوف الذي أصابها عندما زارهم "جورج تايلور" ذات مساء وتناول معهم وجبة العشاء، حيث بات هذا الرجل يتناول وجباته اليومية في منازل الآخرين منذ وفاة زوجته. (فذكرتني بحالات الخوف التي تصيبنا ونحن أطفال عندما يقوم أحد بسرد قصص الأشباح والجن علينا). تحكي أن هذا الرجل راح يحكي لهم قصة شبح زوجته الذي يزوره، مما جعل الدماء تجف في عروقهم من الخوف، عندها طلبت منها جدتها إحضار شوكة "الشوكة المعلقة على حائط المطبخ، الحائط الذي خلته في الوقت ذاك يبعد مسافة ملايين الأميال... المسافة إلى حيث تلك الشوكة المعلقة ليست طويلة، ولكن في ذلك الوقت أنا كنت قد تعثرت بالكثير من الأضرحة والقبور والقطط السوداء".

23- من الذكريات المميزة لـ"مايا" حفل تخرجها من الإبتدائية عام 1940م، حيث شكرت الله كثيرا الذي جعلها تحيا كي تأخذ شهادة الإبتدائية، فقد كانت ولسبب ما تعتقد أنها ستموت بغتة قبل أن تنال تلك الشهادة، والتي ستجعلها على وشك بدء فصل جديد من حياتها، تقول: "النضج، وتقبل المجتمع فكرة أن أكون راشدة، هما أمران قد ساعداني على دحض الكثير من ذكريات الإهانة والشتائم" . تفوقها الدراسي منحها مكانة في المراتب الأولى للخريجين، فقد كانت طالبة نجيبة، مختلفة عن الكثير من أقرانها. ولكن الكلمة التي ألقاها الرجل الأبيض في حفل التخرج كانت كفيلة بأن تنهي كل مظاهر البهجة في ذلك الحفل من هدايا، وعبارات تهنئة، وشهادات تخرج؛ لأنه قام بتعريتهم، وبالتقليل من شأنهم وحظوظهم أمام البيض، وأوحى لهم أنهم مجرد خادمات ومزارعين، رجال حرف يدوية وعاملات غسل ملابس، كل شيء يطمحون للوصول إليه هو محض افتراض ليس إلا، ولكن الكلمة التي ألقاها في الختام "هينري" ذلك الطالب الخلوق المؤدب المتفوّق أعادت البهجة والأمل لنفوسهم، خاصة عندما قاد الجمهور لترديد النشيد الوطني للزنوج، تلك القصيدة التي كتبها "جون جونسون"، والتي جعلت "مايا" تقول: "يا أيها الشعراء المشهورون والمجهولون، كم من مرة قد داوتنا جراحكم؟ من سيحصي عدد ليالي الوحدة التي صارت قليلة بسبب قصائدكم؟ من سيعرف كل العذابات التي صارت أقل وطأة بسبب أساطيركم؟".

24- قصة سنها المتسوس، والذي جعلها تعاني منه الألم الشديد عددا من الأيام والليالي، مما جعل زيارتها لطبيب الأسنان أمرا محتوما لخلعه، ولكن الطبيب الأبيض "لينكون" في مدينتها، والذي كان يدين لجدتها بالفضل بسبب إقراضه المال رفض معالجتها حتى عندما ذكرته جدتها بأنها أعارته المال، وقال: "سياستي في التعامل هي أنني أفضل وضع يدي بداخل فم كلب على أن أضعها في فم زنجي" مما جعلها تكابد ألم سنها ولونها الأسود في نفس الوقت. عند ذلك أخذتها جدتها لمدينة مجاورة حيث يعمل أطباء الأسنان الزنوج.

25- يستمر مسلسل التحقير لهم وللونهم، فقد رأى "بيلي" جثة الرجل الأسود المقتول، والذي قتل دون أن يجرؤ أحد على السؤال عن سبب قتله، وطريقة تعامل البيض مع جثته، حتى قررت الجدة ترحليهم إلى والدتهم لحمايتهم من أخطار العنصرية في "ستامبس".

26- أمضت "مايا" و"بيلي" والجدة مدة ستة أشهر في "لوس أنجلوس" حتى تنتهي ترتيبات مسكنهم الجديد مع والدتهم في مدينة "أوكلاند" والتي أعالتهم بتفانٍ وروح مرحة، وتصف والدتها بقولها: "في كل ثورة غضب كانت أمي هي الأكثر حكمة، نزيهة مثل الطبيعة، بنفس تساهلها ورأفتها".

لاحقا تزوجت أمها من "كليدل" رجل فاضل ناجح، وكان أول أب حقيقي تعرفه "مايا" منذ أن فتحت عينيها على الحياة، وساعد والدتها على الانتقال والعيش معا في "سان فرانسيسكو".

27- أحبت "مايا" سان فرانسيسكو، والتي تحسّن فيها وضع الزنوج كثيرا خاصة بعدما بدأت الحرب العالمية الثانية، تقول "مايا" عن هذه المدينة: "لقد تصرفت "سان فرانسيسكو" أثناء الحرب كما تتصرف سيدة محنكة تحت الحصار، قدمت للأعداء ما لا تملك، وحافظت على كل الأشياء التي تحت طائلتها، لقد صارت هذه المدينة مثلي الأعلى، الصورة التي أريد أن أبدو عليها حين أكبر، كانت ودودة، لكن ليست شديدة العاطفة، باردة، لكن ليست شديدة القسوة، مبجّلة، ولكن من دون عنجهيّة"

28- التحقت "مايا" بمدرسة "جورج واشنطن" الثانوية، وكانت الآنسة "كيروين" هي أفضل معلماتها؛ لما كانت تتمتع به من مخزون معرفي واسع، فلم تكن تعتمد على المناهج المقررة لهم إطلاقا، كما كانت ودودة للغاية. تقول عنها "مايا": "لم أسمع من قبل عن أي شخص بالغ يكن احتراما مشابها لأشخاص في مرحلة المراهقة... لم يكن لديها أي طالب مفضل، لا يوجد شخص تصطفيه عن البقية... ورغم أنّ بعض المدرسين قد حاولوا ملاطفتي كثيرا كي يظهروا متحررين، وبعضهم الآخر تجاهلني تماما، كانت هي الوحيدة التي لم تعر لون بشرتي أي اهتمام... بعد أعوام طويلة عدت إلى فصلها الدراسي، وكانت لا تزال تذكرني... لكنها لم تكن تعلم أنها كانت المدرِّسة الوحيدة التي أذكر".

بعد ذلك حصلتْ على منحة دراسية في "معهد كاليفورنيا للأعمال اليدوية"، وكانت حريصة على المشاركة في دروس الرقص والتمثيل، فقد كانت مغرمة بأسلوب المناجاة المسرحي، أما حصص الرقص فكانت تشارك بها في البداية بخجل، لأنها وكما تقول: "كنت في بادئ الأمر أعتقد أن الجميع ينظرون إلى جسدي اللامتناسق، والذي يبدو كالخيار، لكن لا أحد منهم لاحظني". بعد ذلك بدأت تشعر بالامتنان لكل شيء، ولكن وفق ترتيب معين، إذ كانت ممتنة لانضباط جدتها الرهيب أولا، ثم كتب السيدة "فلاورز" ثانيا، ومن بعد ذلك حب أخيها "بيلي" اللامتناهي لها، وروح أمها المرحة، ومخزون معلمتها "كيروين" المعرفي، ومن ثم حصص التمثيل والرقص أخيرا.

29- عاشوا في منزل تقليدي يتألف من أربع عشرة حجرة، وتعاقب عليه مستأجرون كثر، وكانوا جميعهم يعيشون في الطابق العلوي، باستثناء والدتها التي سكنت الطابق الأرضي برفقة زوجها "بابا كليدل"، ذلك الرجل الذي أحبت "مايا" شخصيته بشدة، وأثار بداخلها الإعجاب، لقد كان إنسانا بسيطا جدا، ولعل الأكثر روعة به، قدرته على النجاح رغم افتقاره للعلم، كان رجلا شهما، تقول "مايا" متذكرة إياه: "إن الصرامة الممزوجة بالحنان تشكّل خصلة فريدة في المرء، وكذلك الذكاء الذي لا يأتي مقترنا بالتعليم".

30- سافرت لقضاء إجازة الصيف مع والدها في جنوب "كاليفورنيا"، والذي كانت تسكن معه في منزله عشيقته "دولاريس"،. ذات ليلة أخبرهم والدها أنه سيخرج صبيحة اليوم التالي في رحلة إلى المكسيك مصطحبا "مايا" معه، شعرت "دولاريس" بالغيرة، أما هي فشعرت بالدهشة؛ لأن والدها لم يشعرها مطلقا بأنه فخور بها قبل هذه اللحظة، إذ لم يكن يبادلها سوى بعض المودة الباهتة. وخلال تلك الرحلة تكتسب "مايا" بعض الخبرات الجوهرية في طريقها نحو التقدم والتنمية، بعد ذلك اضطرت ولأول مرة قيادة سيارة والدها المخمور إلى "كاليفورنيا"، ونتج عن ذلك ارتطامها بسيارة، إلا أن ذلك الحادث لم يخلف الكثير من الخسائر.

31- بعد عودتهما إلى المنزل اشتعل غضب وغيرة خليلة والدها "دولاريس"، فدار بينها وبين والدها عراك بالألسن، أسفر عنه مغادرة الوالد للمنزل، تقول "مايا": "بين أسوار حجرتي رحت أفكر في أبي، وكيف أنه قد بدا قاسيا وفظا، إنه قد استمتع كثيرا بعطلته في المكسيك، ولكنه لم يكن قادرا حتى على مواساة المرأة التي جعلت تنتظره مدة يوم كامل، متصنعة القيام بتدبير شؤون منزله. كنت متأكدة من أنها على دراية بعادته في الشرب المفرط تلك، وأنها قد لاحظت أيضا أننا وعلى الرغم من غيابنا مدة تزيد على الاثنتي عشرة ساعة كاملة، إلا أننا لم نعد للبيت وفي جعبتنا ولو قطعة "تورتيلا" واحدة... شعرت بالأسى إزاء هذه المرأة، وربما بالذنب أيضا، فأنا أيضا قد استمتعت في تلك العطلة... في الوقت الذي كانت تجلس هي فيه وحيدة – على الأرجح – كي تدعو الله أن يعود لها سالما... لم يكن هناك أي إنصاف أو عدل في الطريقة التي كان يعاملها بها؛ لذلك قررت الخروج إليها كي أواسيها"، لكن نتيجة غضب تلك المرأة تحولت محاولة تهدأة "مايا" لها إلى عراك بالألسن، أعقبه عراك بالأيدي، أسفر عن جرح بالغ أصيبت به "مايا" نزفت جراءه الكثير من الدماء، فكرت أنها حتما ستموت، وأخذت تفكر بوصيتها: من المقرر على شقيقها "بيلي" أن يرث عنها كتبها، وتسجيلاتها، وكل الحب في هذا العالم، أفكارها لم تدم طويلا حيث أخذها والدها إلى صديقين له لتطبيب جرحها، بعد ذلك نقلها للإقامة بمنزل أحد معارفه، على أن يعود لها في ظهيرة اليوم التالي للاطمئنان عليها، تقول "مايا": "في عمر الخامسة عشر علمتني الحياة أن الاستسلام خطيئة مثلها مثل المقاومة، خصوصا حين لا يملك المرء أي خيار بين يديه... كنت أشعر بأنني وحيدة... أصابتني الحيرة طويلا بعد رحيل أبي، ماذا عليّ أن أفعل؟ هل أملك الجرأة الكافية على الانتحار؟ مجرد التفكير في أخي جعلني أكبح جماح أفكار كهذه". قامت بصنع بعض الشطائر، وأخذت مجموعة من لصقات الجراح، والثلاث دولارات التي كانت معها، وغادرت. الحل المنطقي لحالة التشرد التي كانت تعاني منها هي العودة لأمها، ولكنها لم تقوَ على ذلك؛ لأنها لن تتمكن من إخفاء الجرح الذي في جانبها، وستكون شاهدة على حالة عنف جديدة. راحت تفكر في السيد "فريمان"، والذنب الذي طالها لقاء ما حصل له، حتى بعد أن انقضت كل تلك السنين، إنه راكب مزعج يرتحل معها في قطار ذاكرتها أبدا.

32- عاشت تجربة التشرد مدة شهر كامل، حيث سكنت سيارة قديمة في ساحة الخردة، وهناك تعرفت على مجموعة من المتشردين من مختلف الجنسيات ممن يقاربونها في السن، وتعلمت قيادة السيارة، كما أتقنت الرقص، تجربة التشرد هذه، وإن كانت لمدة قصيرة لم تتجاوز الشهر، إلا أنها شحنتها داخليا، وشدت من بنيانها، وعجلت باستوائها، تقول: "لقد تبدلت طريقتي في التفكير بعد شهر فقط، حد أني ما عدت قادرة على تمييز نفسي، تقبل رفقائي لكل ما يصدر مني جعلني أتغلب على كل مخاوفي، لكم كان من الغريب جدا أن يفلح أطفال مشردون، أبناء صراعات أسرية، في دفعي للنضج دون سواهم من الناس... لم يعد بمقدور أي شيء أن يجعلني أشعر بعزلة عن باقي أصناف البشر، أنا مثل كل من على هذه الأرض تماما، مهما اختلفت أعراقهم، غياب النقد اللاذع بناء على قوانين المجموعة جعلني أزداد جرأة وثقة، كما أنه منحني القوة لتقبل الطريقة التي كنت أواجه بها الحياة". بعد ذلك تواصلت مع أمها، حيث أرسلت لها تكاليف السفر، وعادت إليها.

33- عند عودتها إلى المنزل وجدت أن "بيلي" قد نضج أسرع منها أيضا، خلال تلك الإجازة الصيفية التي أمضاها بصحبة الأطفال في الشوارع، لعله كان سعيدا لرؤيتها، لكنه لم يتصرف بطريقة توحي بذلك، وحين حاولت إخباره بتفاصيل رحلتها، تجاوب معها بطريقة تدل على عدم اكتراثه بالأمر ، تقول: "وهذا ما جعل تفاصيل الرحلة تموت على شفتيّ قبل أن أخبره بها... لكنني اعترفت لنفسي أن نضج الإنسان، ويا للأسف، هي عملية لا تخلو مطلقا من الأوجاع، إنها ليست عملية سلسة كما يعتقد الكثيرون". ورغم ابتعاد "بيلي" عنها، إلا أن ثمة منطقة كانت تجمع بينهما، هي ساحات الرقص، لقد أصبحتْ بارعة في الرقص، ولديها الجرأة على الرقص في الأماكن العامة، ويعود الفضل في ذلك لتجربة عيشها كطفلة مشردة.

بدأت تتفاقم الخلافات بين والدتها وأخيها "بيلي"، مما دفع أخاها لمغادرة المنزل، ودفع "مايا" للحزن الشديد، تقول: "لم تسقط دموعي من أجل "بيلي" أو من أجل والدتي أو حتى من أجلي، بل سقطت حرقة على كل الخالدين الذين يعيشون حياتهم برفقة معاناة ترافقهم إلى الأبد، وحتى نتجنب النهايات الموجعة التي تأتي على هذا الشكل، ينبغي علينا أن نولد مجددا، أن نأتي إلى الحياة ومعنا البدائل، البدائل التي تساعدنا على مجابهة الحياة من دون الأشخاص الذين يخذلوننا". عندما زارته ظهيرة الغد الذي غادرهم فيه، وسألته عن حاله، أجاب: "هنالك مرحلة في عمر كل رجل ينبغي فيها أن يلقي بنفسه من أعلى جرف كي يسقط في قلب البحر العامر بالصدف".

34- في عمر الخامسة عشر استطاعت أن تنتزع الوظيفة التي حلمت بها، فكانت أول زنجية تعمل مشغلة لدى شركة عربات الكابل (المترو) في "سان فرانسيسكو"، حيث كانت هذه الوظيفة محتكرة للبيض، قالت لها والدتها حين علمت أنها تريد هذه الوظيفة: "هل هذا ما تريدين القيام به؟ حسنا، لا برهان يتغلب على التجربة مثل الفشل، اذهبي وقدمي أفضل ما لديك، لقد أخبرتك أكثر من مرة: عبارة لا أستطيع تشبه تماما عبارة أنا لا أهتم"، بعد رفض طلبها للوظيفة، أصبحت تتردد بشكل يومي على شركة عربات الكابل، وكأنها موظفة لديهم تتقاضى معاشا، لقد تفهمت مدى الحاجة لأن يكون المرء عنيدا حين يواجه الحياة، وأن في النضال تكمن السعادة، ولم تكن تبحث عن انتصار تفخر به وحسب، وإنما تبحث عن كل الحلول الممكنة قبل أن تخفض راية العند والاستسلام. في طريقها للخروج من المنزل ذات صباح في معركتها تلك، قالت لها والدتها: "الحياة ستمنحك على قدر سعيك، ابذلي قصارى جهدك، وصلّي، ثم من بعدها انتظري"، وقالت لها في مرة لاحقة: "الله يساعد أولئك الذين يساعدون أنفسهم". وبفضل عزيمتها وإصرارها، ودعم والدتها كان لها ما أرادت.

35- أوقعها حظها المتدني من الجمال، من خشونة صوتها، وكبر كفيها وقدميها، وجسدها الخالي من معالم الأنوثة؛ للشك بأنوثتها، وحقيقة كونها امرأة، فخافت أن تكون سحاقية، وصارحت والدتها بمخاوفها، والتي طالما كانت تقول لها: "إن سر حياتها هو أنها كانت تتمنى الأفضل، تخطط للأسوأ، وبالتالي أي أمر يحصل بينهما لم يكن ليفاجئها أبدا"، طمأنتها والدتها بأنها فتاتها التي رزقها الله، ولكن كلام والدتها لم يكن كافيا لإزالة شكوكها، فأخذت تختبر هذا الشك، إلى أن أفاقت ذات يوم وهي حبلى.

36- تصف حالة الرعب والخوف التي كانت تعيشها لحظة معرفتها بحملها: "الناس يجوبون الشوارع كما لو أنّ الأرصفة لا تنهار تحت أقدامهم، يتصنعون القدرة على الشهيق والزفير، في الوقت الذي ما أقوى فيه التنفس، الهواء ينفذ من حولي، ووحدي أنا من تختنق بداخل ذلك الكابوس".

حملت عبء الحمل في سن السادسة عشر على عاتقها وحدها، وعندما أخبرت شقيقها "بيلي" نصحها بعدم إخبار والدتها و"كليدل" حتى تحصل على شهادة الثانوية؛ لخوفه من إرغامهم لها على ترك الدراسة، والدتها كانت مشغولة تلك الفترة بحياتها الشخصية، فلم تنتبه للتغيرات التي طرأت على جسد ابنتها نتيجة الحمل، وفي تلك الليلة التي حصلت فيها على شهادة الثانوية أماطت اللثام عن السر، تقبل الاثنان الحقيقة الصادمة، ولكنهما واجها صعوبة تصديق أنهما لم يلحظا حملها مدة ثمانية أشهر، سألتها والدتها عن الأب، فأجابت، سألتها إن كانت تريد الزواج منه؟ فأجابتها بالرفض، وإن كان هو يريد الزواج منها؟ فأجابتها بالرفض، قالت: "حسنا، لا فائدة من هدر حياة ثلاثة أشخاص"، لم يحمل كلامها أي لوم أو عتاب، كانت تتصرف فقط مثلما تتصرف عادة، تتمنى الأفضل، تستعد للأسوأ، ولا يفاجئها أي شيء يقع بينهما.

بعد ثلاثة أسابيع ولدت ابنها "جاي"، تقول في وصف مشاعرها: "اختلط الامتنان والحب بمشاعر الأمومة، أصبح لديّ طفل، إنه جميل، إنه ابني... ها هو ابني، أحببته حدّ أن خشيت ملامسته، طيلة الطريق من المشفى إلى البيت جلست على مقربة منه، أتأمل تفاصيله، وجماله الساحر". ففي نهاية الكتاب أصبحت أما، وقد نجحت في هذه المهمة وهي في سن صغيرة، لتبدأ رحلتها التالية مع الحياة، والتي توضحها السير الذاتية الأخرى لـ"مايا".

النقد:

بعض مشاهد الجنس الصريحة، وشفافية بعض المصطلحات والمواقف عند سردها بشكل دقيق.


وفي الختام:

تكلمت "مايا آنجيلو" بصدق وشجاعة عندما قالت: "نحن متشابهون أكثر مما نحن مختلفون"، وهذا ما أحسسنا به ونحن نقرأ هذه السيرة، وهو ما جعلنا نشعر بالانتشاء، وجعل قلوبنا تخفق ونحن نقرأ هذا الكتاب (أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس)، الذي يحكي سيرة ذاتية للألم الذي رافق طفلة صغيرة، فقدت البراءة، ومرفوضة من أهلها، ومن مجتمع عنصري متشدد في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث عاشت الكاتبة فيه الشتات والاستقرار، الألم والأمل، الحرمان والعطاء، السعادة والشقاء، الخوف والأمان، القوة والضعف، الحب والكراهية، كل هذه صنعت "مايا" القوية، وجعلتها تغرد، وتشجع كل طائر حبيس على التغريد.


عن الكاتبة

(مؤلفة الكتاب (مايا آنجيلو):

ولدت الشاعرة والكاتبة الأمريكية "مارغريت آن جونسون"، والمشهورة بـ"مايا آنجيلو" في "سانت لويس" عام 1928م.

وعلى الرغم من ولعها بالفن، عملت في مطلع شبابها بالعديد من المهن، وبعضها كان وضيعا جدا؛ لتعيل نفسها وابنها الذي أنجبته بعيد إكمالها الدراسة الثانوية.

أصدرت سبع سير ذاتية تناولت فيها تفاصيل حياتها، وقالت إنها لم تجد أفضل من الإفصاح بالحقيقة مداوٍ لآلام ذكرياتها، واشتهرت "آنجيلو" وذاع صيتها بعدما نشرت أولى مذكراتها "أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس" سنة 1969م.

حصلت "آنجيلو" على عشرات الجوائز، بالإضافة إلى حصولها على أكثر من ثلاثين شهادة دكتوراه فخرية.

في أواخر السبعينات قابلت "أوبرا وينفري" التي كانت تعمل مذيعة، وفيما بعد أصبحت "آنجيلو" المعلمة والصديقة المقربة إلى "أوبرا".

ألقت "آنجيلو" قصيدتها" على نبض الصباح" في حفل التنصيب الرئاسي لـ "بيل كلينتون "عام 1993م، لتصبح بذلك أول شاعرة تلقي قصيدة افتتاحية في حفل تنصيب رئاسي.

ومنذ التسعينيات حاضرت في كثير من الحلقات، واشتهرت بأسلوبها المتميز في الخطابة، واستمرت على ذلك حتى الثمانينيات من عمرها.

توفيت "مايا" في عام 2014م، عن عمر يناهز 86 عاماً، بعد أن قضت 50 عاما في قيادة المشهد الأدبي الأمريكي.

Follow me

Join