لا أعرف 

لأن الانسان كلما يكبر عامًا، كلما عاد للأصل أكثر، وصار أخيرًا على مشارف الأربعين نسخة مماثلة تمامًا لوالديه.. 

لن أجرؤ على بناء عائلة أخرى، عائلة آسية، عائلة تنزف دمائها على الأوراق، وتسقي دموعها الأشجار، لن أبني منزلي بلا عواميد، ولا عواميد في الدنيا سوى الزيف، لا أجرؤ تشريد أبنائي في منزلي، لا أجرؤ هدم منزلي على أبنائي.. 

*

والدتي منبع الجهل والسذاجة، لم تعرف يومًا ماهيّة الروابط، لم تعرف الحبّ يومًا، لم تنظر بعين والدي أبدًا، لم تعره حبًا ولا اهتمامًا، لم تتفاخر به أمام مستنقعاتها، بل أوحلته ودمّرت كل ماقام به فداءً لها وللعائلة، والدتي أخبرت الجميع بأن والدي بِئس الزوجِ وبئس المعشر، وبِئسَ الأب.. 

أما بالنسبة لوالدي، فقد قضى كلّ حياته عالِمًا مُتعلّمًا، قارئًا كاتبًا نهمًا، شاعرًا شاعريًّا.. يجيد الحبّ ويجيد التملّق، والدي انتشل والدتي من قيعانها لكنها بسذاجة تأبى مفارقتها، والدي استأصل أطرافه وقطعها فداءً لنا ولوالدتي، لكنّ والدتي بغضبٍ أعماها صدّت ورفضت أطراف والدي؛ قاصِدة قلبه، فكيف لإنسان أن يحيا منزوع القلب؟ 


أما أنا، فقلبي منذ الميلادِ مهلوع، مفطور، شجيٌّ مكسور 

لأني كنت لعنة حلّت بليلَةٍ شتوية، لعنة حلّت بوالدتي فأسقطتها طريحة الفراش، لم تسل عني لم تعرني اهتمامًا، بل برجاءٍ ساذج سألت والدتي أبَدَ الوفاء..

لأني فيما بعد، أصبحتُ أداة تفريغٍ لا أكثر، أداةً لا قيمة لها سِوى عمق الجروح وحجم الكدمات، لأني في ليلةٍ صيفية عذبة استاءت والدتي من الدنيا فلاقيتها بابتسامتي الشجيّة فأبرحتني ضربًا، لم أعرف حتى الآن مالذي جرى، ولا لماذا جرى، لكنه جرى، وجرّدني  


لا أجرؤ على خلقِ نسخةً أخرى مني، لا أجرؤ على حشاشة قلبي وفؤادي أن تكون مفطورة القلب مني ومن بيتي لا من الدنيا، أولسنا الملاجئ؟  

Join