في الثامنه من عمري 

حيث لم أبصر الحياةَ بعد، أشهرتُ سكّينًا على بطني، مهدّدةً والدتي، لم أكن أنوي غرسها لم أفكر أبدًا في فعلها، كنتُ فقط أرجو رؤية الحب،رؤية والدتي تركض فزعةً لتنقذ حياتي، رؤية الخوف بعينيها على حشاشة قلبها؛ لكنها لم تفعل بل رمقتني بنظرة ازدراء وحسرة على سخافة ماخلّفت.. 



لأني ولدتُ بعائلة كبيرة، عائلة لم تعرف يومًا الأواصر، لم تعرف المودة، لم تعرف الحبّ يومًا، لأن والدتي كانت قطعة خاطئة لأحجية والدي المعقّدة، لكنهم ثبتوها بالإجبار، قصصوا من جوانبها ورمّقوها لتليق.. لم تكن قطعة صحيحة، لم يكن لمنزلنا أواصِرَ حقيقيّة. 

لأني ولدتُ مُتَأخّرًا، لأني كِدتُ قتل والدتي بسبب غريزة حبّي لدنياي.. لأني لم أكن صوابًا، لم تكن ليلةً هانئة لوالداي على أي حال، لأني أقوى من كل تلكَ العقبات.. لأني جئت حيث لا مكان لي؛ ولا حنان 


منذُ صغري، وأنا أفعل المستحيل لأستشعر الحب، لأستشعر المكانة، لأشعر بي أحيا في هذه الدنيا، لكني فشلتُ ولطالما فشلت.. لكني كما ذكرتُ توًّا (لأني أقوى من كلّ تلك العقبات) لازلت بكلّ الأسى أحاول ويالِبؤس المحاولة.. يالِبؤس أقداري، يالِبؤس وجودي 


على مشارِف التاسعة عشر من خرائِفَ عُمري، وماشعرتُ أبدًا بالمكان، ماشعرتُ بالحبّ، لا أعني حبّ الروايات والمسرحيات؛ أعني حبّ العائلة والأصدقاء، لم أحظَ طوالَ حياتي بصديق، كيف لبشرِيّ أن يحيا بلا صديق؟ كيف لي أنا جودي الجيّاشة أن أحيا وحيدة؟

 كيف لي أن أقضي كلّ عمري أتعثر وحدي ولا أتكئ؟ كيف لي؟ كيف لحسناءَ مثلي؛ أن لا يتزاحم عليها الشعراء أو البلهاء (لاضير) لينالوا قربها؟ كيف لقارئة تلتهم الكتب، ألّا تقرأ قصّة حبها؟

محضَ سخافاتٍ لا أكثر 

ويبقى سؤالي المريرُ مقيّدًا، لماذا لا تسعني دُنياي؟

 



لأن الحياة صعبة المراس، لأنها تعدِم المرأة خطيئةَ نجاحها 

سبَقَ لي وأن ودّعتُ حلمًا، وداعًا قاسيًا جفّفَ أدمعي 

وهأنا ذا حائرة .. لأني بغزارةٍ أريد الوصول لكني مقعدة ووالداي لا يملكانِ تكلِفَةَ كرسي متحرك، والداي إن صَحّ القول؛ لا يرغبان وصولي، لو حُلّ لهم بتر بقية أطرافي لفعلا، فأنا مقعدة بعينانِ بصيرتان، ويدانِ قادِرتان، إني مقعدة بعزيمةٍ كبيرة وقد خارت قواهما سعيًا لهدمي، وعدمي فأنا عار.

عارٌ أسكَتَ والدتي التي لطالما تفاخرت بكل ماتملك، أسكَتَها بمجلس كبير.. 

عارٌ طأطَأَ رأس والدي الذي لم ينظر يومًا إلى قدميه، عارٌ خبّأَه وسلبه الجاه.

لكني لم أفعل ولم أقدم ولم أسعى يومًا؛ إلّا لغاية واحدة بكل دنياي، فلم تكن لي غايةً في دنياي سوى جعل والداي فخوران، فخوران لا أكثر، لكني لم أفعل.

لم أفعل أبدًا ولن أفعل، رغمَ أني بترتُ قدماي فداهمها، رميتُ آخر زُمرّدِ يبقيني في مقامٍ يليق بجهدي، رميتَه أدراج المحيط. 

إنّي الآن مُقعدة، وفقيرة، وعار.


فمتى ستتحقق الغاية؟ 


 


بطريقة متحدية مستنقصة من مهاراتي، وقدرات عقلي الرائعة، كنت في كل مرّة أخبر والداي عن رغبتي الملِحّة وطموحاتي الكبيرة وأسقفي السمائية، كانت اجابتهم الوحيدة: (إسعي وإذا وصلتي مابنرفض) كانت اجابتهم تحمل الكثير من الثقة والإستقرار، كانوا متيقنين تمام اليقين أني لست قادرة بالمرّة. لكنّي سعيت، سعيت كثيرًا، بكلّ دقائق عمري، بكل اللحظات، كنت أسعى

حتّى وصلت. 

كادَ يقتلهم العجب، كادت تخرج أعينهم من جماجمهم من هول الصدمة، لم يحملوا يومًا ثقة في جوفهم، لم يظنوا يومًا بأني رائعة، كانوا يرون أجنحتي، ظنّوها أجنحة عصفور، عصفور لا يلوي على شيء، يجوب الديدان ليعيش.. أهالتهم مقدرتي، فما كان بأفواههم سوى الرفض، ماكان بوسعهم تحمّل أثقال تحدياتهم الكثيرة، رفضوا أحلامي ببساطة، كسّروا أجنحة العصفور.. 

متعلّلين بأني أنثى، مجرّد أنثى. لطالما لعنتني أنوثتي هنا، لطالما حرمتني، لطالما قتلتني.. 

ببساطة كادت أن تفتك بي، ببساطة تقتلني، تغرِس بجوفي سكاكين؛ كلّ ليلة، وكلّ لحظة 

ماكان لي سِوى الإذعان، ماكان لي سوى الخرَس، ماكان لي إلا أن أسيرَ مُطَأطئًا..



فأنا ويالِأساي مجرّد فتاة. 


فأنا ويالِأساي، لا أملك من دنياي إلا مُدونتي، فلا قرارَ ولا اتخاذ



Join