نسوية إسلامية (1): قضية النوع في القرآن.. منظومة الزوجية بين قطبي الجندر والقوامة

هذه سلسلة حول النسويات الإسلاميات، أبدأها لتوفير محتوى حول النسوية الإسلامية في مواقع التواصل الاجتماع، بشكل مبسّط وفي المتناول.

ورغم أنني قد لا أتفق بالضرورة مع كل ما سأنقله، لكنني أنقل بأمانة وأترك الحكم للقارئ/ة.


سأبدأ مع ورقة الدكتورة أماني صالح بعنوان: “قضية النوع في القرآن .. منظومة الزوجية بين قطبي الجندر والقوامة”، ألخصها في تدوينتين قدر المستطاع، كما سأورد رابط الدراسة كاملة للمهتمات والمهتمين.

تعريف:

الدكتورة أماني هي باحثة مصرية، وأستاذة العلوم السياسية بجامعة مصر الدولية، شغلت سابقًا منصب مجلس إدارة جمعية دراسات المراة والحضارة ومازالت عضوة فيه، لها عدّة مؤلفات  في دراسات النظرية المعرفية الإسلامية والنسوية الإسلامية، كما نشرت لها عشرات المقالات والأوراق البحثية باللغة العربية.

ملخص الورقة


النوع: 

يعبر الجنس عن الجوانب البيولوجية والفروق الفسيولوجية والطبيعية بين الرجال والنساء إلا أنه يفتقر إلى بيان بعد مهم في هذه العلاقة هو البعد الثقافي والفوقي لها سواء من حيث الفروق والعلاقات والأدوار. وبالتالي فإن مفهوم النوع يأتي ليملأ فراغا مفاهيميًا مهمًا هو ما يتعلق بالثقافة والدور.

يشير هذا المفهوم إلى الأبعاد الفوقية (الثقافية والمؤسسية) للعلاقة بين المرأة والرجل متضمنا على وجه التحديد ثلاثة عناصر مهمة هي: أولاً الأدوار والعلاقات والمسئوليات الاجتماعية، ثانيًا الحقوق والواجبات الاجتماعية لكل من الرجل والمرأة، وثالثًا المكانة التي يحددها المجتمع لكل منهما.”


“يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ”

-النساء، آية 1-

يوضح القرآن في الآية الكريمة السابقة ثلاثة عناصر مهمة، وهي أن: النفس الإنسانية واحدة، الوجود الإنساني على مستوى النفس يسبق التنوع الجنسي والانقسام، وأن النفس الواحدة وليس التجليات النوعية المتعددة لها هي مناط الحكمة الإلهية من خلق الإنسان لأنها مناط تكليف الإنسان ومنحه أمانة الاختيار.

وقد جُعل لهذا الوجود الانقسامي النوعي وظيفة أساسية هي توفير آلية الاستمرار والتكاثر من خلال التزاوج بين النوعين وتحقيق التكاثر والإعمار المادي.

القرآن ومنظوره للأبعاد التاريخية الاجتماعية لقضية النوع:


لا يراعي الخطاب القرآني خصوصيات ومتغيرات مراحل وعصور بعينها بما يميزها عن غيرها من سمات تتعلق بتراتبات القوة والضعف وآليات التسخير أو التمكين بين البشر ومن ضمنهم النوعان بل يراعي جانب الثوابت المستقرة في الطبائع والعلاقات.


وبسبب خصائص جسم المرأة فقد أنيطت بها المهمّة الأكبر في التكاثر، -ولعصور طويلة في ظل غياب تقنيات التحكم في الإنجاب استوعبت هذه الوظيفة الجزء الأعظم من الحياة النشطة للمرأة-، فيما ُألحقت بالجنس الآخر مهمة توفير الضمانات والمستلزمات المادية والبيئية اللازمة لإتمام هذه العملية، هكذا تحقق مفهوم التكامل الوظيفي تاريخيا في توزيع المسئوليات الاجتماعية بين الزوجين/الجنسين.


وفي هذه المسألة تجدر الإشارة للتالي:

  1. إن الرؤية القرآنية وإن أقرت هذا التوزيع للوظائف كمبدأ عام لعموم الظروف البشرية (حد أولي أو مبدئي) إلا أنها لم تفرضه كتقسيم جامد، ويستدل على تلك المرونة من العديد من الأحكام التطبيقية في مجال التشريع كتلك التي أجازت النفقة الطوعية للمرأة الموسرة.

  2. إن القرآن لم يلحق بهذا التوزيع تراتبا أو تمييزاً في القيمة بين هاتين المسئوليتين.


وقد جعلت وظيفة الإعالة المادية مسوّغًا لأحكام خاصة يختص بها الرجال مثل جواز تعدد الزوجات فنجد أن النص القرآني قد جعل من توسيع مظلة الإنفاق والإعالة على ذوات الفاقة من النساء اليتيمات أو العائلات لليتامى مسوغًا لرخصة تعدد الزوجات، حيث جاء ذكر التعدد في سياق تناول أشد حالات الفاقة والاحتياج من جانب النساء اللاتي فقدن مصادر الإعالة الطبيعية (الزوج أو الأب)، ويبدو من منطوق الآية الكريمة في سورة النساء وكأن التعدد رهن بحالة إغاثة تلك الفئات إذ يمثل الزواج آنذاك إطاراً شرعيا للنفقة والإعالة بصورة تتسم بالاستدامة والإلزام بدل الإحسان والتصد الذي لا يكون ملزمًا وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا-النساء، آية 3-.

منظومة التمايز (الاختلاف) الجزئي والتكافؤ الإجمالي في الحقوق والأدوار الاجتماعية:

في المفهوم القرآني فإن لكل حق يمنح لطرف يقابله التزام، ولكل مزية أو مكنة حقوقية ممنوحة لأحد الطرفين يقابلها ويوازيها مزية ومكنة للطرف الآخر بحيث تصبح المساواة هي المحصلة الإجمالية للمنظومة الحقوقية.


الانفصال:

في حقوق الأسرة يكون الزواج وليد إرادة مشتركة بين الطرفين (انتهت الظروف التاريخية للمجتمع القبلي إلى جعلها بين الرجل وولي المرأة بدلاً منها)، كما أن الأصل في تحديد مصير العلاقة الزواجية أيضا أن يكون وليد الإرادة المشتركة “إِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا-البقرة، آية 233-.

وعلى ذلك فإنه إذا مارس أي طرف إرادته المفردة من جانب واحد فعليه أن يتحمل ثمن قراره ويمنح الطرف الشريك التعويض المناسب؛ فإذا تم حل عقدة الزواج بمبادرة وإرادة منفردة من الرجل فعليه أن يتحمل دفع التزامات الطلاق للمرأة، أما إذا كان ابتداراً من المرأة من خلال الفداء فعلى المرأة بدورها أن تدفع ثمن قرارها لشريكها.


الإرث:

إن المفارقة بين المنظورين الكلي والجزئي في مجال الحقوق تتجلى في قضية مهمة هي قضية الإرث: فبينما ينظر أنصار المنظور الجزئي في الحقوق إلى التشريع الإسلامي في الإرث باعتباره تمييزاً لصالح الرجل فإن أصحاب المنظور النسقي الإجمالي في الحقوق يرون العكس في إطار منظومة لا تضع الحقوق وحدها على كفة الميزان بل تضم إليها الالتزامات لإيجاد مقياس صحيح ؛ إن تميز الرجل في نصيبه من الإرث لا يعتبر ميزة في ظل مسئوليته بالإنفاق على زوجته وأبنائه (ووالديه وإخوته عند الحاجة) في حين يعتبر إرث المرأة حقا خالصا لها لا يداخله التزام تجاه الآخرين.


النشوز:

أسباب الشقاق بين الزوجين في المنظومة القرآنية تندرج في ثلاث مستويات: الأسباب الذاتية، الخلافات الموضوعية، والنشوز.

-سأتجاوز أول اثنين بينما تفصّل فيهما الباحثة وأنتقل مباشرة للثالث وهو مثار الجدل والمورد الذي قدّمت فيه الباحثة قراءة مختلفة-:


يتسم مفهوم النشوز الذي يرتب هذا الحكم بالغموض فالمصادر اللغوية غير مفيدة في تحديد

المفهوم لاتساعه (النشز هو ما ارتفع من الأرض ويقال نشز وينشز إذا كان قاعداً

فنهض قائمًا)، أما المفهوم الذي يقدمه المفسرون فيتسم بدوره من ناحية بالضيق الناجم

عن الانحياز ومن ناحية أخرى بالاختلاف حول مدلوله؛ يقول القرطبينشزت المرأة أي

استصعبت على بعلها ونشز بعلها عليها إذا ضربها وجفاها”، ويورد ابن كثير عن عبد

الرحمن بن عوف النشوز مرادفا للكراهية والنفور قائلاً إن المرأة الناشز هي "المرتفعة

على زوجها التاركة لأمره المعرضة عنه المبغضة له”. في حين ينقل القرطبي عن

المهلب النشوز كونه النفور الجنسي "إنما جوز ضرب النساء من أجل امتناعهن على أزواجهن في المباضعة، واختلف في وجوب ضربها في الخدمة والقياس يوجب أنه إذا جاز ضربها في المباضعة جاز ضربها في الخدمة الواجبة للزوج عليها بالمعروف".


والواقع أن هذه الاجتهادات الخلافية بخلاف انحيازاتها الثقافية البارزة يعتريها عدة أمورعلى رأسها أن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام لا تؤيد أيًا من تلك التفسيرات.

لقد ورد ما يخص نشوز المرأة في آية 34 من سورة النساء في معرض المقابلة بين صنفين من النساء هن "الصالحات" و"الناشزات". وهذه المقابلة ذاتها تدل على معنى النشوز إذ يصير في هذه الحالة مقابلاً للصلاح ومرادفًا للفساد. 

وتعرف الآية الكريمة الصالحات بأنهن : القانتات، الحافظات للغيب بما حفظ الله .. أما الحافظات للغيب بما حفظ الله فلا خلاف على معناها "من صيانة ما ينبغي صونه في غيبة أزواجهن من عرض ومال وولد". وأما القانتات فتثير لبسًا في التفسير، غير أن تفسيرها يعد محوريًا في تحديد معنى النشوز، حيث اتجه كثير من المفسرين إلى تفسير القانتات بأنهن "الطائعات لأزواجهن"، لكن الاستخدام القرآني للكلمة مرة أخرى لا يؤيد هذا الاتجاه التفسيري، لقد ورد لفظ القنوت ثلاث عشرة مرة في القرآن الكريم ودل في الأغلب الأعم على معنى شدة الخضوع والانقياد لله والمداومة عليه، حتى ليبدو أن استخدام هذا اللفظ معممًا دون تخصيص إنما يخص المقامات العليا من الإيمان والخضوع للخالق تعالى وحده. 

بناء على التعريف القرآني السابق لمعنى الصلاح المقابل للنشوز فإن النشوز يعرف بالمقابلة بأنه الفساد والخروج عن طاعة الله، وخيانة الزوج بالغيب فيما أمر الله به من حفظ للمال والعرض والولد. وهنا فإن "اللاتي تخافون نشوزهن" إنما تدل حسب هذا التعريف على اللاتي تخشى خيانتهن، أي أنها تنصرف بعبارة أخرى إلى مقدمات الخيانة للزوج في ماله وعرضه وولده في إطار استمرار العلاقة الزوجية دون إثارة من الزوجة لطلب الانفصال أو أخذ على الزوج ما يسبب الشقاق .. هي تدل إذاً على حالة من الشذوذ والاعتداء الخطير من الزوجة على أسس الحياة الأسرية.

وتتدرج إجراءات مواجهة هذا النشوز بتدرج الانغماس في الفعل (مقدمات الخيانة الزوجية) ليصبح الضرب غير المبرح هو الإجراء الأخير الرادع عن الانتقال إلى سقف الزنا وما ينطوي عليه من انتهاك صارخ لشرع الله وهدم للحياة الزوجية من خلال إثبات الزنا وإجراءات اللعان المعروفة. في إطار هذه الرؤية السياقية وعلى هذا النحو يمكن التعامل مع العديد من الأحكام القرآنية التي لا يمكن تفسيرها بمعزل عن كل المنظومة.


هنا أصل إلى ختام الجزء الأول من تلخيص هذه الورقة، على أمل اللقاء في الجزء الثاني لتلخيص باقي البحث الذي يتطرّق لمفهوم القوامة وشخصية المرأة القانونية والمفهوم الثقافي والدور الاجتماعي للمرأة.

Join