تأملات تأويلية

أيا جلجامش، قلت لأورشنابي أن يعلو سُور أوروك، وما سُور أوروك إلا الذي في داخلك، فلمَ أردتنا أن ندخل إلى حرمك؟!

(أراضي دلمون) هو الوصف الذي أضعه في خانة التعريف بالمكان في برامج التواصل الاجتماعي، ودائمًا ما يثير المكان في نفسي أسئلة عن جدوائية التعبير والوصف عن الانتماء إلى الأرض، وأنا أنظر إلى الأرض في مساحتها الممتدّة عرضًا بأن جميعها على مستوى واحد من الانتماء، مهما كبرت دائرة الوصف أو صغرت،فالسكن في مدينة صباح الأحمد في التعبير عنه مثله في الكويت مثله في الخليج مثله في الشرق الأوسط أو قارة آسيا، بل وحتى لو قلت في درب التبّانة، فكل التعابير هذه وصف للمكان في شكله الظاهر العريض، لكن الانتماء شيء آخر!

الانتماء من حروف النمو والتنامي في الأحياء والطبيعة، ظهور الحياة من الجذور الأرضية إلى السماء، التأصيل باتجاه الأسفل والحركة باتجاه الأعلى، فعل الروح في صعودها إلى المطلق واللامتناهي.

فلا بدّ لأن يكون الانتماء إلى الأرض في شكله الأفقي العميق والسحيق، وهذا العمق ليس عمقًا تاريخيًا، فالزمن لا يشكل القرب والبعد، بل هو أجنبي عن الانتماء، وشاهد ذلك سيرة العظماء والأساطين الذي يتضح من كونهم ولدوا في غير زمانهم، فانتماء الأسماء العظيمة ليس انتماء للتاريخ الذي وجدوا فيه، هناك بعدًا آخر يشي بالبعد الأفقي العميق، هو بُعد (الرُّوح)...!

لماذا نحدد اسم (مسقط الرأس) في مكان الولادة؟ ما الذي يشكّله مكان الولادة في حياة الإنسان؟ ما الذي يفرق معي لو أن الولادة كانت في أمريكا بدلًا من القطيف؟!

كل تلك الاعتبارات ليست بذات فارقٍ.. ووجود الاحتمالات الكثيرة يعيدني إلى تعريف (ذاتي) في (الموضوع)، والكشف عن الفوارق من الداخل، لا من الخارج. هنا يفزع (الحدس) إلى النتيجة.

-هي تلك الروح التي نفخت فيَّ هنا، روح الأرض والطبيعية ومن عليها، روح عالم المثال وذاكرة لاعقلية ممتدّة-

آثار مقابرٍ ومعبدٍ قديم، وعيون ماء ناضبة، وفخّار مكسور، وأختامٍ مدفونة، معطياتٌ تعيد تعريف الحاسة والاتصال بالخارج إلى تجريد وفكرة في الداخل، إلى لغة باطنية وروح قديمة، وتخلق سياق الانتماء الحقيقي..

السياق الذي لا يمكن أن يتكرر في أي مكان آخر، البصمة الفريدة للزمن والتاريخ، الفارق المنشود في تكوين روحي ومسقط رأسي.

فـ الانتماء هو السياق للوجود، ولا يمكن للفكرة أن تتضح دون سياق، وهنا إعادة تشكيل الكوجيتي الديكارتي في روحي

(أنا في السياق -أي: أفكر- إذن أنا أنتمي -أي: موجود-)

السياق في اللغة، واللغة سَكن الوجود، و(الأنا) جزء من الكل، وبالجزء ينطلق ديكارت إلى وجود الكل المطلق، والكل المطلق لا متناهي، ولا يمكن إدراك اللامتناهي إلا في ذوبان الجزء فيه، ليلتحم بكل شيء، وهنا كان دور الكتابة الديكارتية.

فـ طقس الكتابة منذ بزوغ فجره -في الحضارة السومرية-، طقسًا عباديًّا وعملًا شاقًا، وجهدًا روحيًّا يستنزف الطاقة، فالكتابة نقل نور الفكرة من العقل إلى العقل، وبذلك تكون الكتابة طاقة محبوسة في الحروف، مقيّدة باتجاه العقل الذي يراها، تمامًا كما كان بروميثيوس مقيّدًا في أعلى الجبل، فكلما كان طاقة الكتابة من جروح روح كاتبها كانت لها وهج واتقاد أكبر، هنا يتضح ملامح الكتابة الديكارتية، على شكلها التراجيدي، حين تتجلى فيها ذات بطلها الأسطوري في سيره باتجاه المعرفة، والإجابة على السؤال، في نقطة انطلاقة الفلسفة الأولى للإنسان "إعرف نفسك"، وبمراحلها الأولى الجبرية في قدره نحو الخطيئة "المعرفة"، والذنب الذي يتطهّر منه هو في نقل هذه المعرفة، كانت لحظة اعترافه بالجهل والشك من كل ما تلقّاه من معارف، فيتعرّى أمام نفسه، ويصلب نفسه قربانًا ليتلقى نور السماء.

فالسير الديكارتي في الكتابة يمر بمعرفة الذات أولًا ليرسم سياقه، ولا يتحقق إلا بقتل الذات في الذات، والخضوع للنور، ثم الاستسلام للصمت والانصات للصوت الذي يأتي من داخله، ما كان ذلك بالأمر الهيّن والسهل، فلذا كانت كتابته الأولى طويلة وشاقّة، تحاكي تمامًا طول المسيرة وتعبها للقارئ، ففصول التطهير الأولى، مقدّمة واجبة، للدخول في فصل الصلب! تمامًا كـ بروميثيوس.

فاختصار هذا الفصل جاء في الشطر الأول من الكوجيتو (أنا أفكر)، أنا الذات الأسطورية، في سيرها نحو القدر بالتفكير، ارتكب خطيئة نقل المعرفة التي استحق بها أن أصلب على أعلى الجبل، ليراني الجميع (موجود)، ولأدخل في السياق، في الوجود، فانظر إلى الكل المطلق واللامتناهي، لأدرك في معرفة ذاتي، معرفة الله، وهنا يبزغ النور السماوي ليكشف زوايا العالم.

ولكن ماذا بعد ذلك..؟

هل وصل ديكارت إلى اللا نهاية له؟!

كما أشار الشهيد السهروردي: علومها لا تعطى إلا بعد الإشراق، وأول الشروع في الحكمة هو الانسلاخ عن الدنيا وأوسطه مشاهدة الأنوار الإلهية وآخرهُ لانهاية له.

دائمًا ما يكرّر نيتشه بين كلامه عبارات مثل: "حتى أقول ذلك في لغتي" أو "حتى استعمل لغتي الخاصة" أو "متى تكلّمنا في لغتي" ... والكثير من صروف هذه العبارة، وهو ما يستدعي الوقفة عندها.

إذا أردنا الدخول إلى جرف فكرته، لابد أن نستوعب غاية نيتشه لتسطير رؤاه على أنها ضرب من ضروب السيرة الذاتية المتعالية لانعتاق العقل الحر، حيث تنطبع الكتابة عنده بألم تجربته المريرة متحرّرًا منها بخلقها في الكتابة في التماس تام مع ألمه وتجربته، ولهذا فهو يشير إلى تجربته التي لم تُخلق بمثل هذه العبارات، بكون اللغة طريق لإيجادها، سعيًا لـ"إنارة" المعنى في تجربته، تمامًا ممسوسةً بفلسفة هايدغر في أن اللغة سكن الوجود، و«الشعر/الكتابة» قول و«التفكير» إنصات لصوت القول، ومن هنا تعدّ العبارة إشارة لنلقي السمع وننصت لأسئلة نيتشه (كيف بدأ الشّعر؟) و(كيف كنّا نفكّر قبل ظهور الكهّان على الأرض؟) و(كيف نعيد الحيوان البشري قدرته "الحربية" على الحرّية البدائية الصلفة المتهوّرة؟).

الانصات إلى أسئلة نيتشه وشعره انصات إلى الوجود قبل أن "يهذّب" و"يربّى" -أو كما يحلو لنيتشه تسميتها "حياتنا قبل تدجينها"- بالأفكار والطبعة الإنسانية والمفاهيم المؤنسنة والتي ندعوها "تخلّقا" أو "مُثلًا".

لذلك لا يُفهم نيتشه أبدًا وفق معايير الآلة المفاهيمية المنطقية، فلابد استبدال المعايير في فهم قصده بالنظر إلى براهينه وتجاربه ومغامراته غير المسبوقة على أنها خَلقٌ كتابي/ صوتٌ للقول الخلّاق داخل عضلة التفكير المسماة بالدماغ!

فلسفة نيتشه (لغةٌ أجنبيةٌ) كاملة بدائية ومتكاملة تختزن في القرب منها الوجود الإنساني وكل قضاياه بكون الوجود حديث عن ماهية الإنسان مستدعية في ترجيع الصدى كل فلسفات الفلاسفة منذ نشوء فكرة الرؤية للماهية عند طاليس مرورًا بإمام الديالكتيكية المادّية المتغيرة عند هيراقليطس ثم نفيًا لأفلاطون من جمهوريته المثالية، وصولًا إلى تحطيم أصنام المفاهيم الدينية/الأخلاقية للإنسان متلخصة في «إرادة القوة»، بعد أن فرغت الفلسفات من كشفها للطريق والمفكرين بكونهم مفتشين للمعنى، وعادت المقولات في إفراغ ذاتها وطاقتها في الوجود متجهة نحو «إرادة العدم»،

ولّد نيتشه طاقة في نصوصه، -طاقة القوس في انتصابه كلما زاد الشدّ فيه تعبيرًا عن إرادة الاقتدار/القوة،- طاقة معبأة بالروح والسمّ معًا، تفيض في عباراته، فيتسمم فيها من لم يعبّأ بالرّوح، ويتحرر فيها من اكتوى بحرارة السّم.

هو تمامًا في لغته الإجنبية يحرر العقل من سلطة اللغة المنطقية الرياضية التي تأكسد أصفادها في عقل الإنسان الحديث إلى اللغة الشعرية التي تخلق الوجود كلما نطقت بالقول وأنصتت لصداه.

فحقيقٌ للاغتراب الوجودي الذي حدث بفعل تلك اللغة المنطقية الرياضية أن يقدّم قربان الألم في سبيل "التأويل" للهبة الشعرية ولخلق المعنى عبر «السكن في اللغة» والعودة إلى «غريزة الحرية».

ولأن المكان في السياق، والسياق في اللغة، فيكون التعبير عن المكان تعبيرٌ عن الاغتراب في اللغة، وعن كل عنصر له حيّز ممتد عبر الخطوط الهندسية أو الدوائر في شكلها الفيزيائي في الخارج، أما الداخل، فالمكان في الخيال يحال إلى اللامتناهي.

وقد جاءت الفلسفة بفكرها لتعيد تشكيل هذا الاغتراب بـ (الوجود) و(العدم)، أو بـ (القوة) و(الفعل)، فولدت رؤية بارمنيدس للوجود الثابت وتبعه زينون في جدلياته المثيرة، ويعاكسهم هيراقليطس في ديالكتيكيته الملهمة، أما أفلاطون، فقد أعاد صياغة هذا الاغتراب بالمراتب والدرجات للوجود، وبالمُثل المجرّدة، وكلّهم يجاذبون طرفي الفيزياء والميتافيزياء عبر فلسفاتهم.

يعود بارمنيدس في كل مرّة عبر عربته الأسطورية من عالم العقل لينفي العدم، في كل مرّة يعبر نهر هيراقليطس بقدمه المبلّلة!

تعيد‭ ‬اللغة‭ ‬في الفلسفة ذات‭ ‬الاغتراب‭ ‬باستمرار،‭ ‬وتخرج‭ ‬الأفكار‭ ‬من‭ ‬غرفها‭ ‬المسوّرة‭ ‬دون‭ ‬اتجاهات‭ ‬هندسية،‭ ‬فالفيزياء‭ ‬تسير‭ ‬بدليل‭ ‬هندسي‭ ‬حسّي،‭ ‬والأفكار‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬هندسة‭ ‬حدسية‭.‬

الأسطورة‭ ‬ما هي إلا ‬علم‭ ‬الهندسة‭ ‬الحدسية،‭ ‬وفيها‭ ‬يعاد‭ ‬تشكيل‭ ‬جدل‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج،‭ ‬وكل‭ ‬جدليات‭ ‬المكان‭ ‬والوجود،‭ ‬فمكان‭ ‬الأسطورة‭ ‬يواجه‭ ‬المكان‭ ‬الحسي،‭ ‬ووجودها‭ ‬وجود‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬وجود‭ ‬العالم‭.‬

المكان،‭ ‬خارجنا،‭ ‬يجتاح‭ ‬الأشياء‭ ‬ويغتصبها‭:‬

إذا‭ ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬وجود‭ ‬شجرة،

أشحنها‭ ‬بحيّز‭ ‬داخلي،‭ ‬هذا‭ ‬الحيّز

الذي‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬داخلك‭. ‬أحطه‭ ‬بالتوترات،

عندها‭ ‬سوف‭ ‬تتخطى‭ ‬الحدود،‭ ‬وتصبح‭ ‬شجرة‭ ‬فعلًا

فقط‭ ‬حين‭ ‬تتخذ‭ ‬مكانها‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬نكرانك‭ ‬للذات‭.‬

 راينر ماريا ريلكه

والفلسفة عملية تجري كجريان النهر في لغة المكان، تسير دون توقف وترسم خطًا متواصلاً من الداخل إلى الخارج، أو من الخارج إلى الداخل، جدلاً صاعدًا وهابطاً، ولذا كانت الطبيعة المصدر الأول لانعتاق الفلسفة، وجاء المكان من الماء، عنصر طاليس الأول وأساس كل شيء، فيه يوحد نظرته، فالمكاء يعكس المكان ويحويه، ويحتويه المكان ويعكسه، جدليته العميقة في اتحاد الأشياء، ونظرته العالية إلى وجود الشيء في نفسه ووجود الأشياء فيه تعبير أتى بثمره في وحدة الوجود والموجود.

قطرة من الماء تحوي بانعكاسها السماء كله، بأجرامها ومجراتها العملاقة، لا تكفّ عن احتواء كل شيء، بكل خصائصها الفيزيائية من ألوان وأبعاد وصوت ورائحة وأثر، إلى حتى الروح الحركية للطبيعة، والحياة الدافقة فيها داخل نسق النبات وفي صلب الحيوان، نزولاً لإرواء الأرض، ودائرة الصيرورة.

هذه الجدلية تعيد خلق الأسطورة في الخارج والداخل، وتبني المكان الذي يعتكف فيه الحس والحدس، وتتزاوج فيه الطبيعة مع الأسطورة.

Join