“صدمة الميلاد”

هي صدمة الموت

“صدمة الميلاد” هي أحد أفكار فرويد المُهملة، التي تستحق الاهتمام، يمكننا التأمل فيها بمنظور أشمل من كونها فقط صدمة حدثت جراء “عملية الميلاد” المتمثلة في الانفصال الأول. أنظر أنا لصدمة الميلاد باعتبارها تبدأ من الميلاد ولا تقف عنده، هي صدمة تنمو مع الانسان وتستمر معه حتى يواجه الموت.

كان يرى فرويد في عملية “الميلاد” الخطر الأول الذي يتعرض له الفرد، والخبرة المؤلمة الأولى والتي ينشأ عنها القلق الأول، فتعتبر -خبرة الميلاد- بما تتضمن من مشاعر واحساسات بدنية مؤلمة، فيكون هذا القلق الذي يصاحب “صدمة الميلاد” النموذج الأصلي لكل حالات القلق التالية.


كان فرويد أول من أهتم بخبرة الميلاد، لكن فكرته هذه لم تلعب دور مهم في نظريته. فيما بعد أهتم “أوتو رانك Otto Rank” -أحد تلامذة فرويد- اهتمام كبير بصدمة الميلاد، كان فرويد يرى تلك الصدمة في الصعوبات الفسيولوجية والألم البدني المصاحب لعملية الميلاد وأعتبر هذه الإحساسات هي العامل الأصلي المسبب للقلق، أما رانك كان مهتم بانفصال الطفل عن الأم وعن “الحالة الأولية اللذيذة في الرحم” حسب رانك كانت حياة الرحم بمثابة الجنة التي ينعم فيها الطفل، وبخروجه أي بميلاده يكون الطفل قد طُرد من الجنة، فيسبب الميلاد صدمة شديدة، بفعل الانفصال عن الام والخطر الفسيولوجي الذي يهدد الجنين.

يسمي رانك خبرة القلق هذه بالقلق الأولي، ويعتبر صدمة الميلاد في الأساس صدمة انفصال، سيليها سلسلة صدمات، تتمثل في كل انفصال يواجهه الطفل، على سبيل المثال انفصال الطفل عن ثدي الأم (عند الفطام) يشكل كذلك صدمة، كما وكان يعتقد رانك أن قلق الميلاد ليس مجرد نموذجاً تنشأ على نسقه حالات القلق التالية -كما لدى فرويد- بل أعتبرها رانك المصدر الذي تنشأ منه حالات القلق التالية، فتكون تلك الحالات تنفيساً أو تفريغاً لانفعال القلق الأولي.


أنتقد فرويد نظرية رانك، كان من اعتراضاته عليها أن الطفل أثناء الولادة لا يكون مدركاً لانفصاله عن الأم، وأن العامل الرئيسي في قلق الميلاد هي الاحساسات البدنية المؤلمة، بالطبع لا ينكر أهمية الانفصال عن الام فيما بعد، لكن حسب فرويد يكون القلق لدى الطفل عند انفصاله عن امه في السنوات المبكرة، قلق ناتج عن شعور الطفل بالعجز أمام حاجاته التي تريد الاشباع المتعلقة بالأم، في حين يرى رانك أن افتقاد الطفل لأمه في السنوات الأولى يسبب له قلقاً لأنه يذكره بانفصاله الأول عنها أثناء عملية الميلاد.


اوتو رانك خلف فرويد يسار الصورة

يذهب رانك إلى أن القلق الأولي يتخذ صورتين تستمران مع الفرد في جميع مراحل حياته، وهما خوف الحياة وخوف الموت.

د.محمد نجاتي

 “صدمة الميلاد” فكرة من أفكار فرويد التي قد يستسخفها البعض للوهلة الأولى، لا أزال أتذكر نقاشاتنا في قاعة المحاضرة بالجامعة أثناء دراسة نظريات الشخصية، كانت هناك الكثير من الوقفات عند نظرية التحليل النفسي، وقفات التعجب والاستفهام، وقفات الإزدراء، وقفات الدهشة والإعجاب.

في نظري “صدمة الميلاد” هي أحد أفكار فرويد المهملة، التي تستحق الاهتمام، يمكننا التأمل فيها بمنظور أشمل من كونها فقط صدمة حدثت جراء “عملية الميلاد” المتمثلة في الانفصال الأول.

أنظر أنا لصدمة الميلاد باعتبارها تبدأ من الميلاد ولا تقف عنده، هي صدمة تنمو مع الانسان وتستمر معه حتى يواجه الموت.

في طريق الانسان للموت، أيّ أثناء حياته تتجلى صدمة الميلاد والموت عند كل مأزق حياتي يجد الانسان نفسه فيه، وأقصد بالمأزق تلك الصراعات مع معطيات الوجود، أيّ عند احتكاكه بالهموم الجوهرية وهي الهموم التي لا مهرب منها في الحياة، يحددها عالم النفس الوجودي “إيرفين يالوم Irvin D. Yalom” كأربعة هموم جوهرية وهي: الموت والعزلة والحرية واللا معنى.

عندما يواجه الانسان في حياته كل من الموت والعزلة والحرية واللا معنى، يمكننا أن نرى تجليات صدمة الميلاد وتطورها في مشاهد الحياة على سبيل المثال: عندما يتلقى أحدهم خبر وفاة عزيز.

أو يواجه للمرة الأولى شعوره العميق بالعزلة العصي عن الزوال بعد فشل كل محاولاته للتصدي له، أيّ محاولاته لتحقيق الشعور بالتوحد والإتصال العميق، لأن المرة الوحيدة التي يكون فيها الانسان متوحداً بالآخر دون أن يشعر بأن هذه الوحدة خانقة أو ساحقة أو مزيفة، حتى أنه لم يكن يعي أنه شخص آخر آن ذاك، كانت في رحم الأم.

كذلك عندما يواجه الانسان في لحظة ما حرية الاختيار بين أمرين ولكل اختيار ثمن ودين يدفعه الإنسان بمسؤوليته فعند كل موقف يمارس الانسان فيه حريته تكون المسؤولية حتمية.

أيضا عندما يواجه الإنسان حدث ما، كالاصابة بمرض أو خسارة أو فقد من أي نوع، كخسارة و فقد حلم أو قدرة أو حب أو عزيز.

في كل هذه المشاهد التي يواجه فيها الإنسان الهموم الجوهرية، نجده يقول علناً أو في سرّه: 

 “ليه كذا الحياة؟” “ليه أنولدت؟” “ليه مضطر أواجه وأعايش كل هذا؟” 

“معقولة بأضطر دايم أواجه كل هذا؟” “ياليتني ما انولدت” 


صدمة الميلاد مع نمو الإنسان باتت صدمة بالوجود، ففي الطريق بين الحياة والموت: بإحتكاكنا بمعطيات الوجود وهمومه، تتجلى تلك الصدمة بإستمرار.



إنني في حالة جهل تام بكل شيء، فكل ما أعرفه هو أنني لابد أن أموت يوماً ما، ولكنني أجهل كل الجهل هذا الموت الذي لا أستطيع تجنبه

باسكال

 الحقيقة الوحيدة الحتمية التي يتفق عليها الجميع أن الحياة هي ميلاد الموت، وحيث ما تكون الحياة يكون الموت، وعندما يدرك الشخص هذه الحقيقة ويواجه الموت إبتداء بموت الأشخاص في حياته من ثم باقترابه هو من الموت، تكون صدمة الميلاد هي صدمة الموت، فكل سؤال من قبيل: “لماذا ولدنا؟” “لماذا وجدنا” يقابله سؤال “لماذا يموتون ولماذا نموت؟”

وقبل هذه التساؤلات وحتى بعدها، يجتهد الإنسان لتجنب حقيقة أنه سيموت رغم إقراره “نظريا” بأن كل إنسان فان، إلا انه كما ذكر فرويد لا يعترف الانسان بموته الشخصي، بقول فرويد: “إننا عندما نفكر في الموت لا نفكر فيه بوصفه موتنا نحن، وكلما تخيلناه تدافعت صوره في مخيلتنا بوصفنا متفرجين..”

لكونها حقيقة صادمة ربما ولكوننا جميعا نكره الموت ونحمل مشاعر متناقضه نحوه، لا يمكننا تخيل موتنا الشخصي أو حتى التعاطي مع هذه الفكرة، الصدمة تجبرنا على التجنب، للاستمرار.

في خضم هذه الحقيقة -حقيقة توجهنا نحو الموت- يكون الجزع والقلق والخوف من الموت حالة طبيعية وفطرية لدى البشر، يفرّق الفيلسوف كارل يسبرز بين نوعين من الجزع إزاء الموت، الأول هو جزع من العدم أو اللاوجود، والآخر باطن في صميم إرادة الحياة، وهو ذلك “القلق الوجودي” الذي يستشعره الإنسان عندما يحس بأنه لم يحيى بالقدر الكافي، أي أنه لم يصل بعد إلى حالة امتلاك “الوجود الحقيقي” أو بمعنى آخر تحقيق الذات.

يتحدث دكتور زكريا ابراهيم في كتابه “مشكلة الانسان” عن الخوف فيقول: “أن الخوف عنصر مهم من مقومات الذات البشرية، وأننا نخشى المستقبل والزمان والحياة، كما أننا نخشى الموت. وكل هذه المظاهر المختلفة ليست إلا تعبيراً عما في وجودنا من تناه، وعرضية وقابلية مستمرة للتصدع. ولكننا إذا كنا نخشى الحياة ذاتها، فذلك لأننا نشعر بأن استمرار الحياة هو في صميمه انقضاء للزمان، وانقضاء الزمان معناه السير نحو الموت أو الانحدار السريع نحو هاوية العدم.”

مشكلة الموت أو قضية الموت شغلت الفلاسفة والمفكرين منذ القدم، فمن المدارس الفلسفية القديمة التي أهتمت بمشكلة الموت والخوف من الموت، هما المدرستين الأبيقورية والرواقية، كان للفلاسفة الأبيقوريين والرواقيين محاولات لتحييد هذا الشعور -الخوف من الموت- والتصدي له، وهي محاولات قد تمد القارئ لها بالعزاء وبنظرة للحياة-الموت تجعله أكثر قدرة على التقبل والرضى.

أقتبس عن الفيلسوف الرواقي “سينكا”:

إن الموت الذي ترهبه بوصفه النهاية هو مولدك إلى رحاب الأزل

سينكا 

مراجع:

 “الكف والعرض والقلق” سيجموند فرويد

 “فلسفة الموت” د.أمل مبروك

 “مشكلة الانسان” د.زكريا إبراهيم

Join