لا تُصبح الحياة حقيقيّة إلا عندما أكتُبها
قبل عامين ونصف، ومن مقعدٍ امتلئ بي فجراً، كُنت أحملُ جهازي وأكتبُ البداية.. ولم أتخيل يوماً أنني سأصلُ إلى هنا.. حتى وصلت!
لم تكُن الكتابة أمراً ينحصرُ بالورقةِ والقلم، ولم تكُن شيء وجد ليُكتب بالنسبةِ لي، رُبما لأنني كُنت ومازلتُ أرى بها من القداسة ما يجعلُها ترتقي بالمرء، حتى يُزاحم الرُقي أفكاره، حتى تتغيّر شخصيتهُ يوماً بعد يوم، ليُصبح بها مُدركاً يرى حقيقيّة الأشياء، يؤمنُ بالاختلاف، يثقُ بالتجاربِ مهما كانت، ويختبرُ بها نفسه ويتحداها..
لذلك أصبحت مُتنفسي والتلةُ التي أركض لقمّتها حتى أتنفّس بالصعداء وصولاً!
عامان تغيّر بهما الكثير، حتى أنا لم أعد أُشبهُ ذاتي فيما قبل بل كبرُت شخصيّتي وجربت ألواناً كثيرة حتى وجدت لوني الخاص، لونٌ لا يكون له بريقٌ إلا بي، يبهتُ حينما يكسو غيري كاسمي تماماً ونبرةِ صوتي.
علّمني هذا التفرّدُ بهذا اللون أن أتفرّد أيضاً بروحي وشخصيتي، وأن أُحافظ على اختلافي مهما كلّفني من تحدياتٍ وصعوبات، خُلقتُ كقلمٍ حُر وصوتٍ جهور، وطيرٍ مُحلق لا وردةً تجفُ في كتابٍ، وآمنتُ بأنني روحٌ ذات عطاء وحلمٍ لا ينتهي، وأن السماء دوماً هي نافذتي للانطلاق..
كبُر قلمي بين تحدّيات كثيرة، كان أكبرها وأصعبها أن تكون أحرفي خالصةً تماماً مني، بلا نسخٍ ولا فلسفةٍ تكاد تبدو أنها نُسِخت من غيرها، وبكلماتٍ تعكسُ مبادئي وأفكاري دون أن يجرفها التيّار أو أن تتغيّر لأجل الوقت، تتعلم وتتطوّر نعم! لكن لا تتبدّلُ أبداً!
كيف كان ذاك الانطلاق؟
كانت مدوّنتي القديمة - تجدونها بالأعلى- أشبهُ بانطلاقٍ أول وخطوةٍ جريئة كُنت أؤجلها للحظةٍ لا أعلمُ ماهي، خوفُ وارتباكٌ أشبهُ بالوقوف على خشبة مسرحٍ لا أعرفُ جمهوره، حتى أُسدِل الستار وحلّقت أحرفي من القلب، حتى أتت مقالتي الأولى، وإشادةُ من يعرفني جيداً ويقرأُ الحُلم على جبيني، بأن قلمٌ بهذه الروح لا ينبغي أن يختبئ أبداً، بل أن يجد مكانهُ ما بين النجوم، تماماً كمعاني اسمي..
“وانطلقتُ أخيراً!” كهذا قُلت لنفسي.. وهكذا أخبرت حتى كان عنواناً لتلك الخطوة.. ولكنّ الآن اختلف الأمرُ تماماً لتكون مُتنفسي.. ولأحيا بها تماماً كما يحيا قلمي بي.
وتوالت التدوينات واحدة تلو الأخرى، لتصف كل واحدةٍ رؤيتي ونظرتي لهذه الحياة، والتأملات التي تتوقفُ ساعتي عندها، وتتعلّقُ ثوانيَّ بها، ولكنّها.. لم تصمد أمام مهامي ومزاجيّتي.. فأهملتُ قلمي وركنتهُ بدرجي.
كُنت أكتبُ القليل للملأ والكثير جداً في صدري، لينساب على دفتري كأنهُ لا يشتهي سِوى أن يكون بخطّ يدي، فانغمستُ بالقراءة لأنني أعلمُ أن بين صفحاتها وأسطرها إلهاماً يؤدب مزاجيتي ويُخرج قلمي حتى أصبحتُ الآن هنا، أصارع تلك العقباتِ حتى ترى أحرفي النور من جديد، أو كما قالت إيزابيل الليندي في عنوان هذه التدوينة: “ لا تصبح الحياة حقيقية إلا عندما أكتبها”.
أهلاً بشمس حرفي من جديد
تذكرتُ المرة الأولى التي عرفتُ بها كارميلا كانت حينما نصحني بها أ.عمر بوعايشة مُشيداً بتميّزها ومميزاتها بالنسبةِ لي ككاتبة، ولم أتوقع يوماً أن تكون مكاناً يضمُّ أحرفي ولكن ها أنا ذا هُنا.
هنا سأكتبُ ما يُشبهني، وسيكتملُ نور البدر بقلمي، سأعزفُ على الأسطر، وسأغني بأحرفي ملء قلبي، وسأرسل نصوصي مع أسراب الطيور، حتى تُعانق السماء.. حتى تُحلق في الفضاء.. حتى يُصبح اسمي بصمة على جبين الحياة.