عُنق الزجاجة
العُشُ الذيّ يمرُّ به كل طائر
كان يُطلق هذا المصطلح على أي مرحلةٍ صعبة تمرّ بها بعض الحضارات القديمة، ونحنُ كعرب كان لهذا المصطلح علامةٌ فارقة في تاريخنا، فهو يطلق على نقطةٍ تختنقُ بها الأشياء وتزدحمُ ، سواءً عقباتٍ كانت أم تحديات، ولكن ماذا عن عنق الزجاجة التي نعيشُ نحنُ بداخلها الآن؟ ماهي؟ أيُّ شعورٍ تتركُ خلفها؟
لو تأملنا تجاربنا في هذه الحياة؛ لوجدنا أننا مررنا في عنق الزجاجة، بل شهدناها وعشنا بها أياماً وليالٍ عديدة، وقد نستحضرُ مشاعراً لم يسبق أن مرت علينا سِوى في تلك الفترة، إن هذه الرحلة أشبهُ بطائرٍ مُحلّق اعتاد أن يتنقل هُنا وهُناك، ولكنّ جناحيه أصيبت بثقلٍ وإعياءٍ لا يُرى، فقرر أن يبني عشاً يستريحُ بهِ، فأغرتهُ الأشجار ونادتهُ الظِلال، وأصبح لا يدري أين يحطّ بنفسهِ؟ أين يستريح؟، وكيف يستريحُ بلا قوتٍ يكفيه؟ وإلى متى سيستريح؟
جهدٌ يتعبك خيرٌ من فراغٍ يفسدك
مجهول
عرفتُ هذا المصطلح قبل ٣ سنواتٍ تقريباً، حيثُ أخبرتُ إحدى الصديقاتِ: “الأعمال تراكمت عليّ بين الدراسة والأنشطةِ والبيت، وبين أعمالٍ أسعى لها وخطواتٍ أفكر بها، حتى الفرص التي كنتُ أطرقُ أبوابها قد فتحت حينها لي، لكنني أوشكُ على الانفجار!”
فأخبرتني: أنتِ ببساطة في (عُنق الزجاجة)
فتعجّبتُ من الكلمة وسألت: عُنق الزجاجة؟ ماذا تعنين؟
وأجابتني: هل سبق أن رأيتِ عُنق علبة الماء؟ كيف يكونُ ضيقاً والمرورُ منهُ مستحيل؟ تخيلي أنكِ تعيشين بهذا القُطر الضيّق بعدما عهدتي الاتساع في الخطوات والأفكار، إنهُ تحدٍ وبنفس الوقت فرصةٌ للتروّي والهدوء.
لم أُكثر أسئلتي حول هذا الأمر، لأنني أردتُ أن أكتشف هذه التجربة بنفسي، وأن أخرج منها بمفهومٍ يعكسُ نظرتي لهذه الحياة.
حينما تحضرُ الزحمة، وتتراكمُ الأعمال.. وأحيانا تتزاحمُ على أبوابنا فرصٌ انتظرناها طويلاً، لكن قد لا نكونُ مستعدين لها؛ نغرقُ بالتفكير، ونجدُ أنفسنا نُصارع، ونحاول مقاومة هذا الزحّام، وقد نجدُ أننا على بُعد خطوةٍ من كل هدفٍ لنا، فنصبح عالقين في أنفسنا، كأننا سُجناء بلا قيود..
هذا ما شعرتُ بهِ خلال الشهرِ الماضي، أحاولُ جاهدةً بطبيعتي أن لا أدع ذلك يؤثر عليّ، وأن أُحاول أن أستجمع قوّتي، لكنّ كلما زادت محاولتي أزداد ذاك العنقُ ضيقاً حتى أوشكتُ على الانفجار بذاتي! حينها فهمتُ..
“عُنق الزجاجة” ليست باختبارٍ ولا بتحدٍ تمضي بهِ وحدك، ولا هي بشيءٍ تحاربه حتى تخرج منه كهذا فقط، إنما هي فترةُ تتوقفُ بها قليلاً للتتأمل حياتك.. مشاغلك.. رغباتك.. وحتى دوافعك وما يشغلك، تتأملُ هذا العُنق الذي تريدُ الخروج منه، وحدّث نفسك عمّا مضى، وهل تريد الخروج منه بخسارة؟
العدّاءُ قد يتوقفُ أثناء ركضهِ لثانيةٍ أو لثانيتين، يتأملُ بها الطريق، يلتقطُ أنفاسهُ، وينطلقُ لمحطةِ النهاية من جديد..
أنا وأنت نُشبه هذا العدّاء، لكن محطة توقفنا كانت تلك الفترة، لنتأمل بها كيف مضت الأمورُ حولنا فيما سبق، أين كنّا؟ هل أجهدنا الطريق؟ هل تعبت أقدامنا من الركضِ في مساراتِ الحياة؟ أم أن أيدينا صغيرةُ جداً على حمل كل مانريد؟ وماذا سنتركُ وراءنا؟
Towers of gold are still too little
These hands could hold the world but it'll never be enough for methe greatest showman
أعتقدُ بأنني لا أؤمن بالعجز! ولا حتى بالتوقف..
أرى أن الإنسان يستطيع لطالما هو يتنفّس، وأرى أنه يقدر وأن كان مُقيّد، فاللهُ سبحانه لم يُكلّف الإنسان بشيء إلا كان ضمن استطاعته ووسعه..
فبعد تراكُمِ الأسئلةِ بداخلي، وتحليلِ الأفكار والمواقفِ واللحظات، تحركتُ من مكاني لسجّادتي ورفعتُ يدي” اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك التي لا يملكها إلا أنت”، سلّمت.. وارتحت
أمسكتُ الورقة والقلم؛ لأنني لا أعلمُ كيف أدير أموري دون أن أدوّنها، كتبتُ. أهدافي من وجودي بهذا العُنق، وأولوياتي، وما يجبُ التخلّي عنهُ.. نعم آن الأوان لأتخلى عن بعضِ القيودِ لأنطلق..
في صباحِ اليوم التالي أخذتُ إجازة من عملي ككاتبة محتوى، خففتُ من عملي الصباحيّ كصيدلانية، توقفتُ عن بعض الأنشطةِ المعتادة كالقراءة وتدوين اليوميات، اعتذرتُ من بعض الفُرص التي فُتحت أبوابها أمامي -رُغم حزني الصغير إلا أن فيَّ من الإيمانِ ما سيأتي بفرصٍ أكبر بإذن الله- وقسّمتُ الأهداف الكبيرة لمهامٍ يوميةٍ صغيرة؛ لأستلذّ بنهاية اليوم بما جنيت، ولينتهي الأسبوع بهدفٍ كبيرٍ تحقق.
كنت أحرصُ أن أسمع صوت نفسي بشكلٍ أكبر، فحينما تقولُ “تعبت” أتوقف لاستراحة، وحينما أستشعرُ الطاقة التي بداخلي أستكملُ مهمتي، وأن ألوذ دوماً لما يجلبُ لنفسي السكينة، كساعةٍ أقضيها وحدي في نهاية اليوم، كلحظاتِ الفجرِ الأولى والساعاتِ المبكرة من الصباح، ملئتُ تلك الأيام بأشياء تبثُّ بداخلي الدافع للانطلاق، وكأنني أشحنُ ذاتي، ألتقطُ أنفاسي.. حتى خرجت وعدتُ لمضمارِ الحياة! نعم خرجتُ من ذاك العُنق بامتنانٍ كبير، بشعورٍ عظيم.. كأنني ولدتُ من جديد!
لم تكنُ يديّ صغيرة على حملِ ما أريد، بل كانت ضعيفة وزادتها تلك الفترةُ قوّة، ولم أكن لأترك خلفي شيئاً وأمضي إلا لأنهُ لم يكن أهلاً ليبقى معي، وأن العوض قادم والطريقُ عاد فسيحاً لأركض بممراتهِ وساحاته من جديد، فكلُّ الذي مضى ما أتى إلا ليعلّمني مدى جهلي بذاتي، وأنني فعلاً أقوى مما أتوقع، وخطواتي وإن كانت صغيرة فلها صوتٌ يُجلجل، وكلما تعلمت اختلف صوتها ووقعهُا، حتى ستصبحُ يوماً ما كدويّ مدفع بإذن الله.
أعلمُ أنها فترة مررنا بها جميعاً، وأننا نختلفُ بطريقةِ تعاملنا معها، لأننا ببساطة سنخرجُ منها مختلفين عمّا سبق..
من الجميلِ أن يدرك الإنسانُ جهله بشتّى مجالاتِ الحياة، حتى ذاته.. نعم الجهلُ جميل لأنه يقودك للتعلّم، للتأمل، ويحثّك أن تخرج نحو الضوء من جهلك!
لا تقيّد نفسك، لا تُسلّم لشبح عجزك، حتى وإن فشلت وأخفقت، حاول مجدداً، فكّر مختلفاً، واستمرّ.. حتى تمرّ!
حتى تخرج من ذاتك وتظهر:
هل تذكرُ ذلك الطائر الذي أغرتهُ الظلال؟
قرر أن يستريح، أن يتعرّف على السماء من أغصانِ الأشجار، وأن يتأمل الطيور الأخرى تحلق لوجهتها موقناً أنه سيحلقُ مجدداً..
تعلّم أنه لابأس إن أصابهُ التعب، لا بأس إن استراح وتوقّف قليلاً، لا بأس إن لم يتعلّم اليوم لكنهُ سيتقنُ غداً، وأن يكون للآخرين وجهة لا يعني أن يضيع، بل أن تكون وجهتهُ مكاناً لطالما أرادهُ وأحبّه، وأن يدرّب جناحيهِ على مشقة التحليقِ نحوها.. حتى يصل لمكانٍ لطالما انتظر قدومه..
هذا الطائر.. هو أنا.. هو أنت..