العزلةُ التي أوقفت إيقاع الحياة

مرّت عدةُ أيامٍ منذُ إعلان منع التجوّل، توقّفت الزيارات، وأصبحت الشوارعُ مهجورة، والمساكنُ معمورة بأصحابها خوفاً، وبدأت أيامُ البُعد، حتى أصبح كُل شيء يُصف بـ (عن بُعد)، وكأن دفء الاقتراب أصبح شبحاً يهددُ كل نسيجٍ سليم، وأصبح إيقاعُ الحياة الجديد لحناً مفروضاً نحاول الاعتياد عليه.

بالبداية وجدتُ الأمر أشبه بالفرصة لفعل كُل ما لم أتمكن من فعله بالأيامِ الطبيعية، فقائمةُ كُتبي ازدادت طولاً، وعددُ الدوراتِ التي أودُ الانضمام إليها ازدحم في بريدي، وأنشطتي الرياضية زادت حتى جعلت من مكان جلوسي صالةً رياضية، فكنتُ منذُ استيقاظي أتحركُ بلا توقف، أقرأُ هُنا، أكتبُ هناك، أركضُ إلى ذاك! حتى أقعُ على وسادتي بلا تفكير وأرتحلُ ليومٍ جديد بالاسمِ والتاريخ.

منذُ أن بدأنا جميعاً هذه الرحلة وأنا لا أعلمُ كيف أقفُ أمام عقلي، في بادئ الأمر وضعتُ عدة مهامٍ يومية كعادتي بالأيام الطبيعية، وكأنني أتجاهلُ شعوري تجاه هذه العزلة الإجبارية، حيث أنني كنتُ دوماً أختارُ عزلتي وأختارُ أبوابها، أكملتُ الأسبوع الأول فالثاني، ووجدتُ جدران أفكاري تنهارُ واحدةً تلو الأخرى، وكلما أقمتُ جداراً توالت أمامي مشاعر العزلة وهدمته.

هناك أشياء لا تفلت من الذاكرة إلا لتعود إليها، فيذهل ابن آدم أن يشهد أموراً خليقةً بالحكايات، يذهله إن ماكان يخاله من ميلودراما الأفلام قد عاشهُ بالفعل!

كانت المدن ملونة - رجاء نعمة

بعد أسبوعين..

أيقنتُ أنني كُنت أعمل وأركضُ في ممراتٍ مغلقة بلا تفكير! لم أكن أتأمل، ولم أكن أفكّر ولا حتى أتوقف للحظة! كل ما كنت أفعله هو أن أبقى أعمل وأنجز ولا أعلمُ أين الوِجهة؟ كأنني تركتُ نفسي ورائي تراقبُ وتشاهد، ومضيت حتى مضت بي الأيامُ وحدي وتجاوزتني.

استيقظتُ في يومٍ جديد وأنا أعتزمُ اكتشاف العُزلة..العُزلة.. توقفتُ كثيراً عند هذه الكلمة، ورأيتُ على ملامحِ من هُم حولي معانٍ مختلفة لها، وسألتُهم: " ما معنى العزلة برأيك؟ "

واتفقوا على إجابةٍ واحدة: " العزلة تعني اعتزال النّاس والاكتفاء بالذات”، فسألتُ نفسي حينها: “ما معنى العُزلة؟” 

أولُ إجابةٍ قفزت إلى ذهني هي “ آخر مرةٍ رأيت بها الأشياء”، أعتقدُ أن هذا هو مفهومي عن العُزلة، لم تكُن الأبوابُ المؤصدة يوماً هي العزلة، ولا حتى بالأوقات التي نقضيها وحدنا خلف الجدران، ولا حتى الأيام التي نعتزلُ بها الناس لنبقى وحدنا، إنها كما قال دستويفسكي “العزلة زاوية صغيرة يقف فيها المرء أمام عقله”.

وقفتُ في هذه الأيامِ أمام عقلي، بدأتُ بدراسة نفسي، رغباتي، أولوياتي، أحلامي!

بدأتُ أرتب وجودي في العالمِ الخارجيّ، وكلما فكرتُ أكثر وجدتُ بأنني لا أود لهذه الرحلة أن تمضي دون أن أتفحص قلبي، دون أن يخرج قلبي بحياةٍ جديدة، تعلمتُ قيمة الأشياء وثمنها، وكان وجودي بين عائلتي أثمنها.

كانت الأعمالُ سابقاً تسرقني من التواجد التام ذهنياً وجسدياً، فكنتُ أحضر بنصف ذهن، بينما النصفُ الآخر يفكر بقائمة الأعمال الطويلة، وكيفية إدارة الوقت لإتمامه وإنجازه، كُل تلك المشاغلِ التي جعلتني بنصف حضور قد توقّفت وبقيتُ أنا ونصفي الآخر، نتفاهم.. نتحدثُ عمّا فاتنا.. نلمُّ بعضنا ونهلل بلقائنا بعد طول غياب.

نلتقي يوماً وفي الدُنيا قمرُ!

لا أعلمُ لماذا ذكّرتني هذه الأشهر والأيام بـ“لحنُ الحياة”، الفلمُ الكرتوني الذي كان جزءاً من طفولتنا، بأغانيهِ التي أوقظت أحاسيسنا منذ الطفولة، حتى كبُرنا ونحنُ ننظرُ للأشياء من نافذة الإحساسِ التي سمعناها أول مرة!

تذكرتُ “لن تُباعدنا أيها السفرُ” التي أصبحت أغنية أملِ وعودةٍ طويلة بعد سفر!


“لن تباعدنا أيها السفرُ..

نلتقي يوماً وفي الدنيا قمرُ..
عندما نعود للوطن، سوف تزهو لنا الأيـام..
فـارقصي للنداء، يا أغانينا” 


هل فقدتُ الحياةُ لحنها بالعزلةِ يا تُرى؟ أم توقفنا نحنُ عن الرقصِ على أوتارها؟ أم لم نعد نريدُ أن نتعلم الرقص على أوتارٍ جديدة؟

كهذا بدت لي العزلة، لحنٌ جديدٌ يعلمنا معنى الحياةِ التي كنّا نمارسها بلا شعور، لحنٌ سئِم الاعتياد والحضور بنصف شعور، لحنٌ أهملناهُ حتى لم نعد نسمعُ صوته.. إنهُ لحنُ حياتنا، الحياة الطبيعية التي شعرنا بها الآن حينما قررت الغياب لفترة عنّا.

من “ صلّوا في بيوتكم” و “ألزموا بيوتكم” التي كانت تعيدنا في كل يوم لذكرى من الذكريات الماضية، للحظةٍ تحلّقنا بها حول بعضنا فرحين، لضحكاتٍ سكنت الجدران ولم نعد نلتقي بأصحابها إلا من شاشةِ الهاتف.

هِلالٌ وعيد..

مرّت أشهر، ومازالت الآمالُ تزدادُ تعلقاً بأن تأتي ليلةُ الأول من رمضان مُعلنةً انتهاء الأزمة.. نهاية البُعد.. وعودة اللقاءات والحياة.

جاء هلالُ رمضان وهو لم يعتد صوم المآذن عن صوتِ الصلاة، ولا صمت المحراب من التلاوة، ولا عن اختفاء “حيّ على الصلاة”، حتى أنه كان يعبرُ فوق البيوت مستغرباً عدم خروجِ الشيخ الذي لم تنقطع قدماهُ عن زيارة المسجد، وبقي يتأملُ الحال.. تُرى كيف سأكون؟ هل أغتربُ وأنا موجود؟ رمضان.. الذي كان حاضراً بمعرفتنا لهُ، حتى رأى كل البيوت أصبحت بيوتاً لله، وعن محرابٍ أصبح لهُ من الأبناء في كل بيت.

انقطعت صلاةُ التراويح من المساجد، لكن أقامتها مصلّياتُ البيوت، وعن ختمةٍ فُقد صوتها في مآذن الحارة، فبعثت صوتُ تلاوتها آباءُ العائلة، ودعاءُ القيام الذي كان يُبكي الصفوف تأثراً، توحّد في أصواتٍ خرجت من النوافذ قائلة “اللهم أزل الغمة عنّا، وأعد الحياة لأيامنا يا ربّ الحياة.”

جاء العيدُ الذي انتظرنا أن يأتي إلينا بالبُشرى والفرحة، وأن يجمع في أحرفِه الثلاث كل أبجديات السرور، فأصبح عيداً يقرّبنا بالأرواح رغم المسافات، وتدفئنا التهاني وتسعدنا الأصوات، ليكون برواز حبٍّ يجمعنا رغم كل الظروف وفي كل البيوت، فترى كل عائلةٍ صنعت منه بهجةً لا تعرفُ القيود، ابتساماتٍ ولحظاتٍ استثنائية، وكأن الفرح تُرجِم لأول مرةٍ بمعانٍ مختلفة لا تحملها الأحرف، ليكون عيدًا انهزم به شبحُ الخوفِ الذي بدأ معنا الرحلة، ولتكون هذه الأيام شاهدةً على أن أقدامنا لم تزل تمشي باطمئنانٍ نحو الغد. 

تاريخٌ مُرتقب

استيقظتُ على تنبيهاتِ الأخبار في هاتفي، وكأنها أهازيجٌ تزفُّ إليَّ خبر عودةِ الحياة، فبعد مضيِّ ربع سنة على منع تجوّل وعزلةٍ وحجر، أتى تاريخُ عيدٍ جديد مُعلناً عودة إيقاعِ الحياة الذي انتظرناهُ، ٢٩ شوّال اليومُ الذي بدأنا من لحظاتٍ العدّ التنازليّ للقاءِ شمسه، وبدأنا نُعدّ الألوان والألحان للحظاتِ التي نلتقي بها بجدرانِ مكانٍ أحببناه، كأننا غريبٌ سافر عن أرضهِ وفي ذاك اليوم يعود.

نعم، عشتُ تلك الأيام والأشهر بكل لحظاتها، بكل شعورٍ أضحكني وأبكى، بكل لحظةٍ كنت استعجلُ المرور عليها سابقاً ولم استعجلها هذه المرة، وارتديتُ لباس الشُكر بعد الرجاء، وكما تغنت الست: 

وغداً تأتلق الجنة أنهاراً وظلاّ..

وغداً ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولّى..

وغداً نزهو فلا نعرف للغيب محلا..

وغداً للحاضر الزاهر نحيا ليس إلا..

قد يكون الغيب حلواً .. إنما الحاضر أحلى..


ونعودُ.. وتعود.. وتأتي كل الحياة لنرقص على لحنها مجدداً بعافيةٍ وصحة بإذن الله.

Join