ما قيمةُ الإنسان؟
بين إنسانيّته وعلاقاته الاجتماعيّة
تنويه: هذه المقالة عبارة عن تحليل وجهد شخصيّ لأبرز ما ورد في لقاء أ.ياسر الحزيمي في بودكاست فُنجان ثمانية.
لا يخفى على البعض الصدى الكبير الذي حصدته الحلقة، ليس فقط بمحتواها الذي أجاد أ.ياسر طرحه؛ بل لصداها وأثرها على المجتمع الذي ظهرت من خلاله، ووصفها البعض بالمُنبه الذي أعاد ترتيب أبجدية العلاقات الاجتماعية وفلسفة العلاقة بالذات.
حين رأيتُ التأثير هيئتُ لنفسي جوّ التأثر، فأصبحت أؤجِلها لحين الفُسحة التي تُساعد ذهني على هضم ما باللقاءِ من أفكار ورسائل جوهريّة تُفصل من وجهة نظري الجبلّة البشرية التي فطرنا اللهُ عليها؛ لذلك أنثر بين يديكم تحليلي وشخصي التي خرجتُ بها من هذه الحلقة.
العلاقات لازم تدخلها معك سيف وغمد ودرع
أ.ياسر الحزيمي
أتت هذه العبارة كالستارةِ التي أُزيحت ليبدأ العرض المسرحيّ الذي يجسّد صورة الإنسان في دوامةِ العالم المُعاصر، أين بدأ وكيف تلاشت بعضُ الأسس على مرن القرون وما أسبابها؟، أنحنُ أرقام؟ مجرّد شبكة اجتماعية لكنّها واهنة كشبكة العنكبوت؟ أم نقشٌ على الحجر؟
بدأ الحزيمي حديثه بعبارةٍ استهلالية ما لبث أن نطق بها حتى ضربت حدّ المدارك، والتي تعكس ثلاث معانٍ جوهريّة في الاتصالِ والتواصل، أين نكونُ حادّين كالسيف؟ متى نرفعُ الدرع بوجهِ ما يحاول غزو حدودنا؟ وكيف نروّض السيف حتى يستقرّ في غمده؟
نأتي في شرحِ هذه الرموز - اجتماعيًا- إلى مفهوم الحدود والقيود والركود، حدُّ السيفِ حادٌ وحدّ إذ أنه الوسيلة التي ترسمُ فيها حدودك وحدود الآخرين إليك، والحدّةُ كناية عن الطرق التي نستخدمها إذ أن المرء يجبُ أن يحمل على عاتقه أن يفرض حدوده شرط ألا يتجاوز حدود الآخرين، فحين تُصبح الحدود كنقطٍ للبعض هُنا يأتي هذا السيف حتى يعيد للأشياء ترتيبها، سيفك الحادّ هو حدودك وحدود غيرك عليك وفي حدّتها كناية عن الطريقة التي نتفاعلُ بها مع الآخرين من حولنا حين نشعرُ بأن منطقتنا الخاصّة قد اختُرِقت.
نأتي في تفسير الدرع إلى تفسير الفهم ذاته، تعقّلك وتريّثك في امتصاصِ ما حولك يُساعدك على حماية ذاتك، بالإضافة إلى حمايةِ الآخرين من نفسك، إن الدرع هو تفسيرك الذي تستطيعُ به فهم الآخرين من حولك فهذا يقيك من أن تتهشّم تحت المفاهيم الخاطئة التي قد يُسقطك فيها تحليلك للمواقف الاجتماعية من حولك، والتفتيش للآخرين عن أعذارٍ ودوافع بداخلك دون أن تتشوّه علاقتك بذاتك أولاً ثم بمن حولك، أما غمدك فإنهُ وعيك الذي يعملُ كالصمغ حتى يُحافظ على توازنك الاجتماعي، فالوعي بالحدود لا يعني القيود، بل يعني أن تكون مدركًا لما بعد ردة الفعل، والإنسان ينبغي أن يحقّق التوازن في علاقاته، دون زيادة في لطف يكسره أو عنف يبعد الآخرين عنه، وقال في باب وضع الحدود والوقف عند الذات والوعي بها:
"وجود سيف بلا غمد هذا عنف، ووجود غمد بلا سيف هذا زيادة لُطف، وزيادة اللُطف ضعف" شرط أن لا تشهره فيمن له فضل عليك، كوالديك، إخوتك، معلّمك وغيرها ممن ساعدك في صنع ذاتك.
أن تعبُد الله.. كأنك تراه
جُبل الإنسان على فطرةِ البحثِ عن الرقيب، عن المتُجاوز، عن شيءٍ يحتكمُ إليه ما إن تحكمُ الضغوط قبضتها عليه، فمن هو هذا الإله؟ سؤالٌ بدأ منذُ قرونٌ ماضية، فاختلف الناسُ بالإجابة حتى بعث اللهُ الرُسل؛ لتُعرّفهم به ولتدلّهم عليه ولتُعلّمهم شؤون دينهم، ونجدُ في أركان العلاقة وضع الحزيمي علاقة المخلوقِ بخالقه كالركنِ الأول من أركان العلاقات، الذي يتجلى باتباع أوامره، والتصديق بأخباره، والإيمان باقداره، وإحسان الأدب معه تبارك وتعالى، بإلإضافة إلى أن العلاقة بالخالق تُعد حجر الأساسِ الذي تُقاس به كل ما دون هذه العلاقة من علاقاتٍ أخرى، لأن العلاقة مع الخالق تؤثر في العلاقة مع المخلوقين؛ لأن التعامُل مع الآخرين يتحوّل إلى علاقةِ إرضاء لله تعالى، فأنت تتعامُل بالفضلِ والحُسنى مع الآخرين حتى يرضى اللهُ عنك.
جاء في الحديث عن علاقة الإنسان المُعاصر وعلاقة الإنسان اللاديني بالإله إلى غياب هذا الإله عن مجتمعاتهم، فإن غاب الإله غاب الرقيب، وهُنا يسقط المعنى الجوهريّ للإحسان “ أن تعبُد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، والإله ليس بالضرورة أن يكون معبودًا، أو خارجًا عنك، قد يكون بداخلك،ومن هُنا جعل الإنسان المُعاصر الهوى إلهاً له “إلهُ هواه” فتسلّمت رغبتهُ ولذّته دفّة القيادة حتى غاب الرشدُ عنه، إلا أن البحث عن الإله المعبود الحقيقيّ فطرة جُبِل عليها الإنسان تكشفها الضغوط، وهذا ما جعل الموضة حاليًا هي ألهة العصر، إذا تدافعت ودفعت تُدافع.
الإنسان دومًا في حاجةٍ للإله، وهو الغنيّ عنهم سبحانه وتعالى، واستشعار وجود الرقيب يضعُ الإنسان في حرزٍ عن تقلّبِ المتجاوزات والأهواء، ويقيه من الدفع والتدافع والدفاع في ماليس لهُ فيه، ويجعله واعياً مدركاً بأن الحسد يُفسد الحياة، ويحوّلها من مناوبة إلى مناهبة، ومن كونها واسعة إلى ضيقةِ الأفقِ والفُرص، فتجدُ المحدودين في وعيهم لا يؤمنون بما عند الله بل بسلبِ عبادهِ أرزاقهم، وهذا فيه سوء أدبٍ صارخ مع الخالق الرازق؛ لذا استذكرُ هذه الأبيات للإمام الشافعيّ رحمهُ الله:
أيا حاسدا لي على نعمتي..
أتدري على من أسأت الأدب؟
أسأت على الله في حكمه؛
لأنك لم ترض لي ماوهب..
فأخزاك ربي بأن زادني..
وسد عليك وجوه الطلب!
الذات عبارة عن بضاعة في سوق اجتماعي..
كُلُّ ما يرتبُط بك هو جزءٌ من ذاتك، علاقتك، ثقافتك، لبسك، شكلك، اسمك، لقبك، كنيتك، وحتى طريقة مشيتك! لكنّ علاقتك بذاتك تُبنى مع إداركك وتقبّلك وتقديرك لكل ذلك. العلاقة مع الذات أن لا يكون ما أنت عليه بعيد عمّا تظهر ما أنت عليه، وكلما زادت الفجوة بين ما أنت عليه، وبين ما تتظاهر أنك عليه؛ تُملأ هذه الفجوة بالاكتئاب والحزن والخزي وعدم الجدارة الذي تظهره الصراعات القيميّة، والمواقف المتضاربة كالمرآةِ التي تنعكسُ عليها حقيقتك؛ لذلك من مؤشرات حسن علاقتك بذاتك: معرفة الحقوق والحدود، وفي تطبّع الخطأ مع نفسك؛ لأن كمال الإنسان في اعترافه بنقصه ومحاولة استكمالها، وهذه فطرتهُ وديدنهُ، دون الشعور بالاستحقاق غير المُبالغ فيه، ودون خجلٍ من شيء لا يُخجل منه عادةً.. أن تتقبل نفسك وتعبر عنها وتفصح عنها، وتسمح لنفسك بأن تكون طفلًا في ثيابك، ومن تهذيب النفس وتزكيتها أن يرى المرءُ نفسه أقل من حقيقتها وهذا من باب التواضع، ويكون سلبيًا إذا تحوّل من مرحلة التنقية للترقية إلى مرحلة سحق الذات واحتقارها واستصغار قدراتها، فإنه في هذه الحالة يضعُ نفسه تحت قبضةِ مطرقةِ لا ترحم حتى تُهشم آخر ما تبقى من المرء لذاته؛" لا يحقرنّ أحدكم نفسه، يكلفها من البلاء ما لا تطيق".
بين الثقة والغرور شعرة دقيقة تختلفُ بميزانِ المعاني والأفعال، فالثقة هي شعورٌ بالقدرة مع وجودها، وهي لحظة في الحاضر مبنيّة على تجارب الماضي ومتفائلة بما يحملهُ المستقبل، أما الغرور هو شعور بالقدرة مع عدم وجودها، لا رصيد يؤكد له بالماضي ولا تحليل مستقبلي، وهذا ما يجعلُ الذات متورّمة أي " أشعر أني أحسن مما أنا عليه " وهذا ما يجعلُ المرء يُصاب بخيباتٍ أمل متكررة، وباستغرابٍ من ردات الفعل الصادرة، بالإضافة إلى تجاهله التلميحات التي تعلّمه حدوده وقيوده، لماذا يشعر أنه يستطيع؟ لأن الثقة الخدّاعة وليدة الجهل، والتجربة خيرُ برهانٍ لحدود المقدرة، وهُنا قد تنقسمُ الأفعال إما أن يقعد بالقاع إذا نزل، أو يحاول الصعود للأعلى من خلال تمتين قدرته فتصبح حقيقية، أما عدم الشعور بالقدرة مع وجودها: فهذا من احتقار للذات واستصغارها، وعلاجُه الثناء والبناء، عبر النظر للانجازات السابقة والاتكاء عليها، ثم البناء والتطوير من خلال البدء بإنجازات صغيرة؛ لأنها تولّد حافز على الاستمرار وتجعله دليل خبرة وقدرة، والكلام يؤثر في جبلة الإنسان لكن عنده رصيد من الانجازات لا تغلق أفواه الناس بل أذانه عن الاستماع له، أما عدم الشعور بالقدرة مع عدم وجودها: هذا قمة الوعي في التمييز، وهذا ماق قال عنه ابن خلدون “معرفة الإنسان بجهله ضربٌ من المعرفة”.
"الناس يسيرون بين أسيرٍ ونظير وأمير"
ابن تيميه
العلاقات الاجتماعيّة قائمة على التعاون وتبادل المنافع، سواءً كانت حسّية أو معنويّة، وكلما زادت مهاراتك زادت حاجة الناس إليك وزاد استغنائك عن الناس،وكلما نقصت مهاراتك زادت حاجتك للنّاس وزاد استغناء الناس عنك؛ لذلك تلبية الحاجات صمغ العلاقات، لذلك لا يوجد ناس مصلحجية، بل هم يمارسون فطريتهم، كلما زادت الحاجة منك زاد تواصل الناس معك، وفي ذلك موازنة مهمّة تحفظُ بها حدودك وحدودهم، وتُدرك بها قيمتك، ومعرفة حدود الذات عبارة عن هندسة اجتماعية، متى أبتعد حد الاشتياق لا الاغتراب، متى أقترب حد العناق لا الالتصاق، بلا أن أُرهق أو أستنزف.. وهذا ما قد نسمّيه وعي اجتماعي، وفي شرح قول ابن تيميه: أن تعيش دائمًا كأمير خطأ؛ لأنك سترهق وتشعر بالخذلان، وأن تعيش دائمًا كأسير خطأ؛ الناس سترميك في مكبة النفايات البشرية ولا يريدك أحد، وأن تعيش دائمًا نظير فأنت تتحدى الطبيعة البشرية وهي الاحتياج إلى أحد.
إن الوعي بالذات وحدودها يُساعدك على معرفة التحديات التي تستطيع أن تخوضها من التحديات التي قد تستهلكُ طاقتك، لكنّ في الوقت الحالي أصبح الإنسانُ المعاصر كالدُمية الخشبية التي لا تُقاد بوعيها بل ما تحصده من اعترافٍ خارجيًّ بقدرتها ومهاراتها، فأصبح لا قيمة له كالبالون يُنفخ من الخارج من خلالِ تسريب، وإذا انتفخ فإنه سيطيرُ في مصنعٍ من الإبر.. لأن الذي نفخه سيفرقعه بكلمةٍ واحدة فقط!
الإنسان المُعاصر.. قيم بملوّثات!
الثقافة الغربية لا تستطيع اختيار قيمة فرديّة لأنها تأتي مجتمعة، وعوضًا عن ذلك قامت بتلويث القيم الإسلامية التي نحملها، فأصبح الإنسان المعاصر المُسلم يملك القيم إلا أنه ما زال يتنفسُ أبخرة الملوثات الغربية فتأثر بها؛ حتى التهمتهُ الفلسفة الماديّة وفرّغتهُ من الداخل، فأصبح ينظرُ للشكلِ والمظهر ويطردُ ورائها، ثم جاءت الحريّات وطوّحتهٌ في الهواء؛ فأصبح شغله الشاغل السعي خلف الحريّة المُطلقة اللا منطقية بلا قيود وبلا حدود من مُنطلق” ستل ما ضر أحد”، بينما فلسفة الإسلام وجوهريّتهُ هي العبودية لله، أيّ أنك أيها الإنسانُ لستَ حُرّاً بل أنت ملكٌ لله وعبدٌ له، ونأتي هُنا إلى الفلسفة المعاكسة ألا وهي الحريّة والتملك، وهذا ما يروّج له المجتمع الغربي، والوقوع بها يجعلنا ننسى أن أقصى يمين العبودية هو أن تكون حرًا إلا لله، وأقصى نماذج الحريّة أن تكون عبدًا لله، وطردُ الحريّة يجعلك تفتّش حتى تصل إلى نقيضها، ومعنى الحقيقي للحريّات المروّج لها هي أن لا يوجد متجاوز يحتكمُ المرءُ إليه غير الذات، بلا حلالٍ ولا حرام، ولا صواب ولا خطأ، وجعلت نظرية النسبيّة الحق نسبيًا: “لما أنا حر وأنت حر أصبح الحق نسبي والأذواق نسبية مالنا خطوط حمراء معلنة.”
عندما تجتمعُ الحريّة بالنسبيّة تولدُ فلسفةٌ جديدة تُسمى الفردانيّة، وتعني التشريق حول الذات بلا مجموعةٍ ضابطة، ولا مُتجاوزٍ يحكّم تصرفاتي، إلا أن الجزء الذي يغفلُ عنه البعض في ذلك ويظهرُ في تفاصيل حياتهم هو أن الفردانيّة والحريّة لا تُعطي الأمان أبدًا، بل تجعلُ المرء يعيشُ بمعايير متعددة وتناقضٍ نفسيّ، لما جاءت النسبية والفردانية والحريّة تشظى منها الإنسان فمات، ولما مات الإنسان خلى العرش؛ فتقلّدت الموضة الكرسي وتصدّرت لأنها متغيّرة و"الاستمرار في عدم الاستمرار" كما قال بالمان في نظريّته.
الإنسان ليس ابن بيئته، بل ابن تعبئته؛ لذلك أتت العلمانية بهدفها الخطير ألا وهو توحيد المنتج الثقافي أو المادي أو أيًا كان في قالب واحد، ويحدث بانصهار المجتمع بالقوّة من خلال بالقوّة، أو يذوّب بالإعلام والتعلّم، أو أن يُقصى؛ ولذلك يُصبح المختلف لديهم متخلّف، ومن هذا أتت أبرز مُخرجاتها التي سببت انهياراً في القيم الأخلاقية المجتمعية ألا وهي فكرة النفعيّة؛ “أنا أيش أستفيد؟”، ومن العلمانية نشأت فلسفةُ التعاقديّة وهي أن يكون بينك وبين الآخرين عقد متفق عليك وعليه، مبنيّة على التعامل في العدل وليس الفضل، مع أن الأصل هو التراحم ولا يُلجأ لها إلا في الخلافات، وهذه الفلسفة رائعة في التعاملات القانونية، فقيرة في الأخلاقيات الإنسانيّة، إذ أنها دواء وليست هواء؛ "اذا كره منها خلق، رضي منها آخر".
أي ثلاث أشياء إذا وجدت في عملٍ ما نزعت منه الأخلاق: أولها البيروقراطية وهي أن تأتي المهمة من الأعلى، ثانيها أن تفتت المهمات "صغيرة ومتكررة"، ثالثها أن يكون من وقعت عليه المهمة هو شيء يحدث دائمًا وهو رقم ومتشابه، وسُمّيت هذه الفلسفة بالترشيد وهو ما ينزعُ من التعاملات قصتها الإنسانية، كما حدث بمحارق الحزب القومي الاشتراكي - النازيّة- ، إذ أنها قتلت العلاقات بصهر النّاس، بعد الترشيد أتت الكفاءة، إما أن تكون كفؤًا أو تُسحق، وتظهر هذه الفلسفة بكثافة في المجتمع الغربي وخصيصًا قصة نابليون بونبارت مع فتح فُرص التعليم، حتى أصبح النجاح مستحق والمال مستحق وكذلك الفقر، والكفاءة وإن كانت جيّدة إلا أنها أصبحت تغيّب القيم ودور الإنسان في محيطه، وإن كان الفراغ مفسده؛ فإن النجاح والطموح مصيدة!
جاء التنقل بعد الكفاءة، ونشر فلسفة التنقل من الوظيفة والبلد، وربط بعض القرارات الإنسانيّة المصيرية بما هو رهنٌ للتغيير والتنقل دون الثبات، حتى نسينا في يومنا هذا أن من ثبت نبت، وبدون جذور نحنُ مجرّد أرقام، وأنتج التنقل التسويق للخوف حتى يبيع لك الأمن، والصحة، خرج بعاداتٍ نفعية مادية بحتة، إن التعاقدية والترشيد والتشييئ أوجدوا مجتمعاً حشريًا يتكيّف ويتوالد ويتقبل السحق، كمثل نظرة دول العالم الأول لشعب دول العالم السابع، وفي مجتمعتنا العمالة الأجنبيّة الشرقيّة على وجه الخصوص.
عام ١٩٢٩م بعد انهيار البورصة الأمريكية، ركزّت الموجات الإعلانيّة على بيع الأطعمة، مما زاد من استهلاكها؛ مسببًا كسادًا في متاجر بيع الأجهزةِ الإلكترونيّة، ويرجح السبب في ذلك إلى أن الأطعمة تُستهلك وتتجدد لوجود تاريخ صلاحية، ومن هُنا نشأت مسألة التخطيط للتقادم، حين أعلن برنارد لندن مؤتمر "أفسدوها لتصلحوهم” المنطلق بتساؤل هل نستطيع أن نجعل للأجهزة تاريخ صلاحية؟، ولّدت هذه التجربة فلسفة الاستعمال والاستبدال حتى أصبحت سلوكًا اجتماعيًا، والزوال المُبرمج والاستبدال السريع ولّد ثقافة عدم الصبر لدى النّاس حتى في علاقاتهم.
العلاقة.. مواقف صادمة ومبادئ صادقة.
يقول الجريري من تلاميذ الجنيد: "تعامل الناس في القرن الأول بالدين حتى رقّ الدين، ثم تعامل الناس بالقرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء، ثمتعاملوا بالمروءة حتى ذهبت المروءة، ثم تعاملوا بالقرن الرابع بالحياء حتى ذهب الحياء، ثم تعامل الناس بالرغبة والرهبة إما نقود وإما قيود.”، وهذا ما يوجّه النّاس تجاه سلوكياتهم، خصوصًا في وجود الثورات التقنيّة، لأنها سهّلت الحياة وصعّبت العلاقات، وأذابت الحواجز بين النّاس، ووسائل التواصل الاجتماعيّ جعلت من مستخدمها مُتصل، لكنّ مُتنصل من المسؤولية بنفس الوقت، وهذا ما ولّد لنا مُجتمعاتٍ ركيكة اجتماعيًا، هشّة في تواصلها وتقاربها وتفاهمها، ننسى بذلك أن العلاقة الحقيقيّة مبنيّة على مواقف صادمة بثباتها، وبمبادئ صادقة في وجودها، وجماليّة العلاقة تتجلى في الشعورِ الذي يُعطي المواقف حقيقيّتها لا بالحضورِ فقط.
في ديناميكيّة العلاقة نجدُ أنها تمرّ بثلاث مراحل: الفعل وردّة الفعل والتفسير، والتفسير عبارة عن المسافة بين الفعل وردة الفعل، ويحكمها الوعي والإدراك الذي تأتي ردة الفعل كنتيجةٍ له، و أول شيء في ميزان الوعي هو أن تراه، ثم أن تفهمه، فإذا فهمته تنبأت به، وإذا تنبأت به حكّمته بحقّه، لذا لعبة التفسير مليئة بالاحتمالات، وفقراء الأخلاق ينتقون الأسوء منها "إذا ساء فعلُ المرء.. ساءت ظنونه" كما يقول المتنبي، وكل علاقة في بدايتها تحتاج إلى اتفاق، وتحتاج في نهايتها إلى أخلاق، والناس السيئة تختبر قيمك، لأن السيء جدًا كالخنزير -أعزّكم الله- ، عندما تدخل معه لوحله ستتسخ أنت بينما يستمتع هو.
في تصنيفِ العلاقات نجدُ أنه يُبنى بتصنيف حقوقهم عليك وحقوقك عليهم، وبما تمنحهُ لهم من مميزات، فمراتب الأنسان تتضح في: سرعة الاستجابة، التضحية، البذل، العطاء، التغافل، وتصنيفك للعلاقة منحٌ لهذه المميزات، وقِس بذلك على علاقاتك الحاليّة، بالذات حين الخِلاف أو الخصام تجدُ ذاتك تغيّر مرتبة مَن أن على خلافٍ معه وتغيّر مميّزاته وما منحته، و العلاقات خمس: علاقات حيّة قائمة على تأدية الحقوق والواجبات والفضل والعدل والتصالح والتسامح، علاقات مريضة القائمة على رفع العتب واللوم فقط "ارد عليه عشان ما يزعل"، علاقات ممرضة قائمة على ان يطالبك فيها الطرف الآخر بأعلى من واجباتك دون أن يعطيك الحقوق، علاقات ميّتة كل طرف لا يطالب الآخر بواجباته كعلاقة الشجرة يعيشون بسلام دون حبّ.
في التصنيفِ الوصفيّ للعلاقات الاجتماعيّة؛ نجد أن العلاقات مع المعارف - السطحية - علاقات هي علاقات رياضيّة مبنية على الاحترام، والصداقات عبارة عن معادلة كيميائية يمتزجُ بها طرفانِ مُختلفان ليكونا خليطًا واحدًا متناغمًا مهما كان الاختلاف، ويقول ابن المقفع في حقوق العلاقات: " ابذل لصديقك دمك ومالك، ولمعارفك رفدك ومحضرك، وللعامّة البِشر، ولعدوّك العدل والانصاف، وأظنن بدينك وعرضك عنّ كل أحد"، وعن الغالبية التي تحيطك يقول ابن الجوزي " وأما الصداقة شيءٌ منسوخ وعزيز، فأكثر الناس معارف".
صدور المجالس.. مقالِع!
الجاحظ
في مجالِسنا، تجدُ أن أهم شخص هو من يقدّمه الناس ليتصدّرهم، ويتوسّط صدور مجالسهم بحسب سُلطته وثقله، والسُلطة أنواع: سلطة دينية كشيخٍ عالم وحافظ، سلطة علمية كمحصلٍ لدرجةٍ علمية وشهادة، سلطة اجتماعية الحاصلة بسببٍ مالٍ أو لقب، سلطة إنسانيّة وهي ما يرجحُ للظروفِ بها كالمسن والمريض، سلطة مهاريّة كمتحدثٍ للغة أو خطيب، سلطة أخلاقيّة وهذه أرفعها وأسماها وأبقاها، لأن ما سبقها يزول بحضور من يزيدُ عن الآخرِ بها، كما النبي صلَّ الله عليه وسلم مع الأعرابي الذي جاهُ ينتفض حتى قال لهُ حبيبنا صلَّ الله عليه وسلّم: “مَه مَه لا تخاف، إنما أنا ابنُ امرأةٍ كانت تأكل القديد بمكة” وهذه هي السلطة الأدوم؛ لأن السلطة الأخلاقية تعني أنك صاحب الفضل وأنت بها تُحافظ على مكانتك حتى عند غيابك.
قال الجاحظُ قولهُ هذا دليلًا على زوالك المؤكد أيُّها الإنسان، فأنت إن تصدّرت المجالس بأمرٍ ما؛ سيأتي من يتفوّق عليك به حتى يقوم من بالمجلسِ من قلعك من مكانك وتغييره لمكانٍ آخر، والواعي هو الذي يعرفُ مقعدهُ من المجالسِ ويختارُ لنفسه من السلطةِ ما يحفظ لهُ كرسيًا حتى حين غيابه.
صدور النّاس هي تلك المجالس، وسُلطتك هي حقيقتُك، وطريقةُ تعاملك هي مرآةُ وعيك؛ فاختر لنفسك ما يجعلُك الأدوم في الذاكرة، المرفوع بالدعاء، البارد كالماءِ العذب حين التعامُل.