أحزانٌ طارئة


أمامي بابا مرآةٍ متسخان؛ يعكسان صورتي، كأنّي اثنان: الأول ملطّخٌ بمآسي الذاكرة، والثاني عرّاه الزمن. يقول السيّاب: «الجرح العاري»؛ هذا الجرحُ البغيض الذي لا أعرف إلا ألمه. لا أستطيع ملامسته وتحسّسه؛ إذ يتكشّف للجميع، لكنه يتوارى عنّي. لو أستطيع لمسَه، لفعلت. لا شفاء له، لا ضمادة له، لا خياطة له، لا شكل له، لا مكان له، لا زمن له. إنه وحمة الولادة، إنه الهويّة، إنه من يقف أمام المرآة. أرى أنني أقشّر أصابعي في حالتَين: حين التوتّر، وحين الحزن. ألحظُني أقشّر الخمسة متوتّرًا، ولكن أثناء حزني لا أرى سوى الإصبع المقشور، كأن الحزن سلب منّي ذاكرتي، وجعلني عاريًا أخذ يفعل في بنانه ما يفعله الطباخ حين تقشير الجزر. يقول بورخِس في إحدى مقابلاته أنّ على الإنسان تقبّل أيّ سعادةٍ طارئة؛ لكونها هديةٌ من الله. لكن ماذا عن الحزن الطارئ؟ هل عليّ تقبّله؟ كيف يتم تقبّل الحزن أصلًا؟ أيجب عليّ فتحُ ذراعيّ وإخباره أنْ هلُمّ؟ أو الوقوفُ والنظرُ إلى أصابعي المقشّرة والبحث عن منطقة غير مقشورة؟ أو الصراخُ لأن يبدّل الله حالي؟ أو ربّما، إن كنتُ أقلّ خيالًا، النظرُ إلى المرآة والبكاء من الداخل؟ أيًا كان اختياري للتعبير عن حزني، فإني كريمٌ لا أختار إلا الصمت والابتسامة، وأحيانًا كتابة التدوينات. سأذهب لتنظيف البابَين لعلّي أعثر على هذا الجرح القديم.

Join