دعماً للصديق ..داعم

سامي سعد

ربما سمع منكم الكثير عن برنامج داعم الذي أطلقته هيئة التخصصات الصحية لدعم العاملين المتدربين الذين يعانون من مشكلة الإحتراق الوظيفي بالسعودية، هي خطوة مباركة و ممتازة و هنا لي معها هي بذاتها وقفات بسيطة، بداية يبدو لي بمطالعة ولو بسيطة أن أغلب الإطروحات التأهيلية و التثقيفية الموجهة لمن يعانون من مشكلة الاحتراق الوظيفي بالسعودية أنها تصب في دائرة الموظف أو الطبيب الذي يعاني منها ولا تكاد تتجاوزه، الاطروحات تتناول كيف يتعرف على الأعراض و كيف ينال الوقاية منها و معالجتها، هذا النوع من الاطروحات جيدة بلا شك لكنها ربما تكون القشة التي نالت من ظهور المتدربين بعد عناء من حمل ظهورهم.


هنالك جو عام يبدو لي مفاده أن مشكلة الاحتراق الوظيفي للطبيب المتدرب هي بسببه وحده و لعلة فيه و حلولنا تبدأ بمعالجته لا غيره، الطبيب المتدرب في أبجديات (داعم) و غيره أنه ليس الضحية و فقط بل ربما أيضاً الخلل و ها نحن حضرنا لك لكي ننقذك، كأن الطبيب المتدرب بحاجة لضغط نفسي أخر كي يتلقى هذا الشحن السلبي بأنه المذنب في كل ما يحدث، خد نظرة على الصفحة الرئيسية على البرنامج و شاهد الفيديو التعريفي به، الطبيب المتدرب مطأطأ الرأس أمام مسؤوله و العار يعتريه في مشهد الضحية و مسؤوله واضعاً قدماً على قدم و يعاتبه بعد فترة طويلة من التأخير و التقصير، حتى إن لم يقولوا ذلك لكن الغير منطوق ربما أكثر تأثيراً، و الفتاة الطبيبة تأيتها هكذا فجأة رسالة إلكترونية صادمة عن تقصيرها و العتاب يأكلها، هذه المشهدين يا أحبة مثال حي عن أعواد الاحتراق الذي ينالها الطبيب خلال تدريبه، هنا اجتهد العاملون لتوضيح الوضع لكنه في ظني كان معولاً آخر على الطبيب، أين المتابعة المستمرة و الشفافية قبل حدوث هذه النتيجة من الاحتراق للطبيب، لماذا هذا الإيحاء بأن الإشكالية كلها تدور حول الطبيب المكلوم.

الفيديو الآخر كان أكثر لطفاً بالحقيقة بالرغم بعض الملاحظات، كان هنالك ذكر سريع لأهمية البيئة التعليمية و سعادة الأمين ذكر نقطة تأهيل ذات المدربين و هذه نقاط جيدة، ملاحظاتي كانت ربط الاحتراق الوظيفي بالإكتئاب و هذا ربط بإطلاقه ليس صحيح علمياً و فيه زيادة في مكيال جعل مشكلة الاحتراق شخصية و الجانب الآخر تبرير الاحتراق بظروف شخصية بحتة كالانتقال لمدينة أخرى و أن الإنسان (جوّته ضعيف) و هذا بإطلاقه ليس صحيح أيضاً، بل ألقي بنظرة على تغريدات حساب الهيئة عن هذا البرنامج و الصور المرفقة عنه، جلها أيضاً تدور حول الطبيب المتدرب و تتمركز حوله بذكر الدراسات وطرق الخدمة له و العلاج، حتى أن صيغة الخبر في واس فيها هذا الإيحاء من المركزية على الطبيب المتدرب، ناهيكم تماما أن البرنامج برمته فيها نكهة أستاذية بنظرة علوية بأنه فقط للمتدربين و كأن الاحتراق فقط للضعفاء أمثالهم.


مشكلة الاحتراق الوظيفي أكبر من مقالي هذا لشرحها لكن هي لم تكن أبداً أبجدياتها و جوّها العام هو تركيز الضوء على من يعانون منها بدون النظر من الأعلى لكل المشهد المحيط بهم، كثير من التعريفات لمصطلح الاحتراق الزظيفي تم استخدامها و قرأت ببعض الإطروحات أنها تجاوزت ال 142 تعريف، أحد التعاريف المستخدمة بكثرة بالدراسات خصوصا بالاحتراق الوظيفي بالمجال الصحي هو تعريف ماسلاش (صاحبة المقياس المشهور بالمتعلق بالاحتراق) حينما ذكرت أن الاحتراق حينما يتعلق بالمجال الصحي فهو حينما تكون هنالك فجوة بين الاحتياجات و الموارد و هذا بالعادة يؤدي لحالة من الإرهاق للأطباء، إذن نحن هنا عن مشهد أكبر و نتكلم عن حالة و بيئة وظيفية بعيدأ عن ذات الأشخاص.

ولكي يكون النقاش علمياً هنا دراسة مشهورة للدكتور فهد العصيمي عن انتشار القلق بين الإستشاريين بالسعودية، كانت مجموعة كبيرة من الأسباب حسب مقالة الدكتور تعود “لارتفاع حجم العمل، والحرمان من النوم، والاستياء من سوء العلاقة بزملاء العمل والبرنامج التدريبي …. ضغوط العمل ثم الأسرة والضغوط المادية والصحية والأكاديمية. وقد أرجعوا ضغوط العمل لكثافة العمل، وعدم تعاون إدارة المنشأة الصحية معهم، وضعف الراتب، والأعباء غير الإكلينيكية كالأعباء البحثية والتعليمية.” انتهى. بعض التمعن ترى أنها أسباب في مجملها لا تتعلق بشخص الطبيب، هنا تقرير حديث عن أن قرابة ثلث الأطباء البريطانين يعانون من الاحتراق الوظيفي و أغلب الأسباب تعود لبيروقراطية العمل، وساعات العمل الطويلة، وافتقاد الاحترام من المحيط الوظيفي و الراتب الغير كافي، و المثير جداً هنا أن أغلبهم لم يطلب المساعدة رغم توفرها في عملهم، بمعنى حتى لو توفر (داعم) لهم فإنهم لن يلقوا له بالاً، هنا صرخة نداء حديثة من أربعة منظمات طبية مرموقة بولاية ماساتشوستس اثنين منهم مرتبطة بجامعة هارفرد تعلن أن الاحتراق الوظيفي للأطباء أزمة صحة عامة و مربط الفرس هنا من ذكري لهذا الخبر هنا نقطتين، الأولى أنهم لم يحددوا سبب واحد فقط للاحتراق بين الأطباء بل لعدة أسباب منها آلية العمل و السلطة بالمجال الصحي و المكافآت و العقوبات و التضارب بين الطرق الطبية، النقظة الثانية هي توصياتهم الثلاثة للعلاج، واحدة منهم تتعلق بالعلاج و الدعم المباشر للطبيب الذي يعاني و الآخريتين تتعلق ببيئة العمل و تعيين ضابطين بدوام كامل أو جزئي للتقليل من العوامل التي تؤدي للاحتراق الوظيفي بالمستشفيات و بيئة العمل بها.

من المفروغ منه أن العوامل الشخصية لها دورها في تعرض الطبيب للاحتراق الوظيفي لكن هنالك من الأطروحات المتخصصة التي تؤكد أن العديد العديد العديد من المراجع توصلت لحقيقة أن العوامل الإجتماعية و المحيط حول الموظف هي الأقوى هنا من ذات العوامل الشخصية (مع كل كلمة -عديد- هنالك مرجع يبحث هذه النقطة)، أطروحات حديثة تتحدث عن فقدان الاحساس بالسيطرة في محيط عمل الطبيب له دوره في زيادة الاحتراق، دراسات أخرى تنبه أن استخدام التسجيل الالكتروني المنهك للأطباء زاد من نسبة احتراقهم، بل أن هنالك دراسات تتحدث عن أننا الأطباء نجلس أمام أجهزة الحاسب بالمستشفى أكثر من مرضانا و هذه حقيقة.

سبب مقالي عن (داعم) هو تركيزه الكبير على ذات الطبيب و شخصه، هذا النوع من الطرح له أثره النفسي السلبي و كأنه يقول أنك إن كنت تعاني من علامات الاحتراق حينها المشكلة فيك، و حينها لو كان الطبيب على شفا حفرة من الاكتئاب فأكننا دفعناه لأعمقها و من ثم ننظر له من الأعلى و نقول له نحن هنا لمساعدتك، تشعر من الإيحاء فيه أنه تم تصميمه لمن غرق و ليس له قبل أن يغرق و ليس لكل أهل السفينة، أصبحت أرى أن بيروقراطية المستشفيات و بيئة العمل و معاناة المتدربين و العاملين مع خدمات الهيئة كأنها كالفيل الكبير الذي بالغرفة و الكل يريد التغاضي عنه بالرغم من أن هذا البعد المؤسساتي و الاجتماعي هو أحد أبعاد أي احتراق وظيفي، فقط لمحة على منشن الهيئة بتويتر لتعلموا معاناة المتدربين و العاملين مع الهيئة و إدارات مستشفياتهم.


قد يقول قائل أن ما أريده من مقالي هو عمل قائم و شيء مفروغ منه تقوم به الهيئة و المستشفيات بشكل يومي، و ردّي حينها أنه هذا المبتغى و المأمول أكبر و الجهد هنالك في هذه الخانة لابد أن يزيد و يتم التركيز عليه، أشعرني كمتدرب أنك تركز هنالك أيضاً، لا تشعرني فقط بالأخبار و الفلاشات لكن أرني ذلك فعلاً بشيء ألامسه في يومي، أنا هنا لا أخاطب الهيئة فقط لكن كل جهة إدارية تحمل أطباء متدربين و عاملين تحت منظومتها، لا تجعلني كالمكبل أمام مرضاي بسبب نقص الإمكانيات و قلة العاملين و بطء المواعيد، لا تجعلني أعمل و هنالك معاملة لي بالشهور تنتظر وهاتف الهيئة لا يرد و موقعها تحت الصيانة و خطاب ينتشر يساوم بدل سكني، و الأهم لا تعذبني بكل هذا و من ثم يكون خطابك لي بلومي كأنك تضع السكينة في يدي و بأنني أنا السبب، النقطة الأخرى أن أول أهداف البرنامج حسب صفحته هو بالنص: "اعداد بيئة محفزة وداعمة للمتدرب بعيدة عن الضغوط والاحتراق المهني عبر لوائح وأنظمة وخدمات خاصة" و هذا هدف بديع وهو صميم مقالي لكن جل الملامح (الظاهرة) لا تدعّي وصل ليلى.

ليس مبتغاي الخلاص من الاحتراق الوظيفي للأطباء و المتدربين فليس هنالك خلاص من وجوده لإن أبعاده متداخلة في نسيج المجتمع و أفكاره و معتقداته و وضعه الفكري و الاقتصادي و خلافه، أكتب لكم من ستوكهولم عاصمة السويد حيث أعيش في مجتمع يكاد يكون من أكثر المجتمعات تقدماً في جوانب مختلفة تدعم تقليل حدة الاحتراق الوظيفي بين عامليه لكن العيادات النفسية المتخصصة هنا لا تستقبل حالات الاحتراق الوظيفي لكثرتها و وجود أماكن أخرى مختصة بها (و هذا جانب آخر عن المتخصص بحل مشكلة الاحتراق بأنهم ليسوا فقط الأطباء النفسيين كما فعل داعم نظرياً لكن لا يوجد متسع بالمقال) ناهيكم عن أنه ربما بدون مبالغة لم أعمل بمؤسسة صحية سويدية إلا و يكون أحد عامليها في إجازة مرضية أو يعمل بدوام جزئي بسبب الاحتراق الوظيفي، مبتغاي من مقالي هنا تحديد البوصلة و الجهد و التقليل من الكيل على ظهر المتدرب المحدوب، أعلم أن الهيئة لن تستطيع لوحدها أن تقلل من مشكلة الإحتراق و لا أطالبها بذلك لكن مطالبتي بأن لا نزيد بلة طين المتدربين بلومهم على احتراقهم.

هذا الحديث كله لا ينتقص من أهمية البرنامج و الخطوة، وجودها دليل تفهم لحجم المشكلة و سعي لحلها، هي خطوة أظنها متفردة عالمياً عبر برامج التدريب الصحية، المسح خطوة جيدة لمعرفة حجمها و الأهم أسبابها و تطلعي أن يكون التركيز على الأسباب لإنه إن لم يكن هنالك بالفعل حجم كبير للمشكلة لما كنتم رأيتم داعم و لا قرأتم حديثي.

هذا العامل الصحي عموما و الطبيب خصوصا مصطلح (ثروة) وطنية تكاد تكون غير كافية لوصف خط حياته لكي يصل لهذه الكرسي الذي يجلس عليه أمام المرضى، لن أسرد عليكم فأنتم أدرى بمسيرة خطوط حياتنا من العمر و الجهد و التضحيات الاجتماعية و الصرف المادي عليه و خلافه و التي بالفعل لن يفي مصطلح ثروة حقوقنا من الوصف، نحن إن كنا نمتعض أو نناقش في أحقية هذه المكانة و أهميتها فحينها هذا نقاش اجتماعي آخر و ربما أكثر إشكالاً و ألماً.

ختاماً حديثي ليس لإيجاد الأعذار لنا كأطباء و عاملين على تقصير يحدث منّا و كأننا بمن يرمي الكرة وأختها في ملعب غيرنا لكن حديثي فقط محاولة لتوسيع النظرة و المساهمة، كلنا نبغي العطاء لمرضانا و العشم في أهل المجال أكبر من أن نتقاعس لتقاعس غيرنا لكننا لسنا بالأخير إلا بشر يعترينا ما يعترينا مما يحدث حولنا.


سامي سعد

طبيب نفسي متدرب بالسنة الخامسة ببرنامج الطب النفسي السويدي

مبتعث من مدينة الملك عبدالله الطبية بمكة

دبلوم علاج نفسي سلوكي و علاج ديناميكي مكثف للعواطف

Join