في الثالثة والعشرين

أعود بذاكرتي لسن التاسعة، كأطفال يملؤنا الحماس لانتقالنا للصفوف الدراسية العُليا وأننا ابتداءً من الصف الرابع سنترك استخدام أقلام الرصاص، تلك الأقلام التي لا مجال للتراجع عمّا سنكتبه بها، وتسلبنا حرية القدرة على مسح أخطاءنا الإملائية،لتحل مكانها أقلام الحبر الدائم.

مرحلة دراسية واحدة؛ كانت الفيصل بين القدرة على تعديل الأخطاء من عدمها، وبين القدرة على التراجع وتغيير الكلمة أو الثبات وتلقّي اللوم.

آنذاك كُنا ننظر للأمر كميزة لعالم الكبار، العالم الذي كنا متشوقين لنكون جزءًا منه.


في الثالثة والعشرين.. أُدرك المفهوم ذاته بمستوى أكبر وأشد عُمقًا.

أُدرك أننا قد نُخطئ ولن تمنحنا الحياة قابلية التعديل والتراجع، قد نُخطئ وتكون العواقب وخيمة بحق، لا نقوى على تحمّلها ولكننا مجبرون.

قد نُخطئ ولن يكون في مقدورنا مسح أخطاءنا وكأنها لم تكن! كل خطأ أصبح يترك بصمةً واضحة في حياتنا أو حياة الغير.

أُدرك أننا قد نكون على حق، ولكننا لن نملك فُرصًا للتوضيح.. بل الخيار الوحيد هو تقبل سوء الفهم والمضي قدمًا.


يُخالف هذا الإدراك نظرتي الدائمة للأمور، بأنها تحمل خيارين وأنني قد أملك حرية وضع خيار ثالث لم يكن له وجود.

أما الآن، وفي الثالثة والعشرين.. هُنا مواقف قد لا تمنحنا سوى خيار واحد، مسار واحد، مجبرون على السير فيه بلا تراجع.


لماذا نفقد شكلًا من الحرية كلما تقدمنا في العمر؟ ولماذا أصبحت قراراتنا ذات معنى أكبر وأكثر جدية، وكل قرار يحمل بداخله مسؤولية عظيمة تُلقى على أكتافنا لنحملها بقية حياتنا؟

لماذا لم تعد هيكلة عالم الكبار، ميزة لنا كما كانت في سن التاسعة؟


تساؤلات مشتتة ذات إدراك يائس..



لكننا في الثالثة والعشرين أيضًا.. نُدرك أننا اكتسبنا قدرة العيش بمفاهيم متناقضة، كعيش الرفض والتقبل في الآن نفسه.

نُصبح أكثر وعيًا بأن كل ما ندركه بيأس إن لم نتقبله؛ سيعطل سير حياتنا لا أكثر! وأن كلما فقدنا شكلًا من الحرية، نكتسب أشكالًا أخرى، وهذه الأشكال بحاجة لوعينا الحاضر دومًا لمُلاحظتها والتمتع بمزاياها.


في هذا العمر.. نمنح أنفسنا الحق لنعيش دوامة سوداوية أفكارنا، مع إداركنا التام أن القرار بأيدينا لكي نوازنها ونراها بكل حيادية، حتى لا نغرق فيها.

في الثالثة والعشرين؛ نتقبل أن كل خسارة، هي مكسب آخر. 

وأن كل فكرة وكل موقف، هو من حيث نراه. وأن الحكم المبتذلة كالنظر في النصف الممتلئ من الكوب، لم تكن تدعو إلى إيجابية زائفة، وإنما إلى التمعن بنظرة من زاوية أخرى للأمور، لنُوازن بها حياتنا. فالخسارة هي مكسب، وكل مرحلة من عمرنا، سنفقد جزءًا منا ليحل مكانه جزءًا آخر ذا ثبات أكبر.

كقلم الحبر.


4.7.2023 الثالثة فجرًا.





ملاحظة هامشية: قد تحمل هذه التدوينة عدم اتساق في أفكارها، ولكن هذا الشكل الحقيقي لأفكاري الراهنة.

 

Join