تعافي ما قبل الموت

تعافي ما قبل الموت..

مفهوم يتكرر بكثرة في حياتنا رغم اختلاف مشاهده.


موقف قديم يتذكره عقلي بشكل مستمر، عانت جدتي رحمها الله من مرض مزمن جعلها طريحة الفراش لسنين طوال، ثم في يومٍ ما.. ذلك اليوم الذي تحسنت فيه تحسنًا ملحوظًا.. لنجتمع حولها جميعًا وتغمرنا الفرحة، نحن أحفادها وأبناؤها، حتى تقر أعيننا بها وترانا أيضًا..

بعدما رأتنا جميعًا.. في تلك اللحظة؛ فارقت الحياة.

في هذا الموقف، سمعت لأول مرة ممن حولي بأن ما مرت به كان “عافية ما قبل الموت!” مفهوم معقد وصعب الفهم على ذاتي البالغة من العمر 11 عامًا آنذاك.


كَبُرت وكّبُرت معي محاولات فهمي لهذا المفهوم، ظللت أرى هذا التعافي المؤلم وأستشعره بمواقف الموت المختلفة.

حتى أدركت له شكلًا آخر، يتجسد فيه المفهوم ذاته، لكن لا علاقة له بالموت الجسدي أبدًا!


مفهوم يُمثل: بصيص الأمل الوحيد المتبقي، قبيل التقبل التام للخيبة.

بصيص الأمل الوحيد المتبقي.. المتشكل على هيئة سكين طُعن به صدر أحدهم.. إما أن يُُنقذ به، أو يُغرز أكثر فيموت.



يتجسد عندما نتجاوز ذلك الفقد الذي غير مجرى حياتنا، ونعتقد بأننا تجاوزناه… نعيش السنين منبهرين بمدى ثباتنا وعدم ضعفنا.

غير مدركين بأن في أعماقنا المظلمة، نملك رغبة قوية بإعادة امتلاك مافقدناه، ولكن لاستحالة الأمر.. نرتدي رداء الثبات، ونمضي به في هذه الحياة، بلا حياة تسكننا.. كالأموات.


إلى أن نمر بلحظة عابرة.. نجد فيها أن خيار امتلاكه مجددًا أصبح أمامنا بلا عقبات!

لا نتردد لحظةً واحدة في نزع رداءنا المزيف، رداء الثبات والتجاوز.. ونظهر بكامل حقيقتنا.. تظهر البهجة في كل جزء منا لامتلاكنا له مجددًا.

نسمع صوت المنطق بداخلنا قائلًا: “تريَّث..لا تجعل سنين الثبات تمضي كهباءٍ منثور” ويجيب عليه صوتٌ آخر “لا بأس! هي حياة واحدة”

ثم تبدأ تبريراتنا الوهمية واللامنطقية التي نقنع بها أنفسنا.. لنمضي في الأمر.

حتى تُغرز السكين في أعماق هذه البهجة، ويختفي تمامًا.


في بهجة امتلاكه مرة أخرى؛ كانت العافية.

وفي اختفاءه مجددًا؛ يتجسد الموت.

وكأن ما عشناه من بهجة؛ كانت لخلق وداع أخير ولائق لموت أبدي.

وداع.. بعد اكتفائنا مما فقدناه منه، واستعادة شعور البهجة الحقيقي الذي حُرمنا منه طوال ثباتنا الزائف، عُدنا لامتلاكه لنشعر به مجددًا.

ثم نُحرم منه وإلى الأبد.

تُغرز السكين بعمق، حتى نعود أمواتًا إلى هذه الحياة.

ونمضي.


لكن.. كل موت هو بداية لحياة أخرى!


نستقيظ في صباح يومٍ ما.. مؤمنين بهذا المبدأ، متقبلين ما مضى من فقد، وعلى أهبة الاستعداد لحياتنا الأخرى.

نعي تمامًأ بأن فشل جانب واحد من حياتنا، لا يجعل حياتنا بأكملها سيئة.

وأن فقدًا واحدًا، لا ينبغي أن يعمينا عن كم الفرص والأشخاص والنِعَم التي زُرعت بجانبنا، ولم ننتبه لها.

نحن الآن هُنا، وليس فيما مضى! 



نتعافى لنموت.. ثم نحيا مجددًا.






Join