رِفقًا بهم

هذه التدوينة برعاية “فقرة عالقة من كتاب”…


قبل مدة طويلة قرأت في أحد كتب تخصصي عن حالة لشخص كبير في السن يعاني من الاكتئاب وأفكاره مظلمة ويائسة تجاه أفراد عائلته وأحفاده.

وفي رحلة علاجه ورحلة التعرف على أفكاره واختبار مدى صحتها، توصَّل المعالج إلى الفكرة الأساسية وهي “ أحفادي لم يعودوا بحاجة إلي”، كانت هذه الفكرة وشعوره بأنه “تم التخلِّي عنه” نابعة كردة فعل لسلوكيات نضج وتقدم عمر أحفاده.


اعتاد هذا الشخص أن يكون المُصلح لألعاب أطفاله وأحفاده، وفي كل مرة تتعطل لعبتهم، يهرعون إليه كالمنقذ.

أن يكون الشخص الذي يصنع لهم الغداء ليجتمعوا حوله ويشعر بالألفة.

أن يكون الشخص الذي يأخذ بأيديهم إلى مواعيدهم، والمحلات التجارية، ويأخذون برأيه..

اعتاد أن يكون المتواجد دومًا لأجلهم عند حاجتهم إليه.


كَبُر الأحفاد، ولم يعودوا بحاجة إلى اللعب، أو تعلموا إصلاح ألعابهم بأنفسهم…

اعتمدوا على أنفسهم في كبار الأمور وصغائرها..

يومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام.. هم بطريقهم في النمو بهذه الحياة، وهو من تم التخلِّي عنه.


تفاصيل الحالة أكثر تعقيدًا بالطبع، ولكن من لحظة قراءتي لهذا الجزء؛ أصبحت أستحضره بكل موقف يحدث لي ويكون طرفه الآخر “كبير سن”.


ننمو وننضج كأبناء تحت ظل والدينا، ثم نبدأ في الاعتماد تدريجيًا على أنفسنا، أو قد نحارب حتى ننتزع حقنا في إثبات استقلاليتنا واعتمادنا على أنفسنا في كل موقف يخصنا مهما كانت بساطته.

ونعم، هذا النمو والنضج مهم لكل فرد في رحلته الشخصية، أن يكون مسؤولًا عن حياته ويعتمد على نفسه لا على غيره.

ولكننا أيضًا جزء من كل، جزء من أسرة، جزء من مجتمع. وكما أن هنالك أمورًا مهمة في رحلتنا الشخصية، نجد أمورًا بذات الأهمية في رحلتنا الاجتماعية.


كبار السن من حولنا بحاجة إلى ملئ الفراغ الناتج عن فكرة  “تم التخلِّي عني.. لم يعودوا بحاجة إلي”


لنفكر معًا.. كم شخصًا في حياتك من هذه الفئة؟ والديك؟ أجدادك؟

كم مرة في عمرك الحالي تذهب لطلب منهم أمرًا ما؟ وكم مرة امتنعت عن أن يفعلوا شيئًا من أجلك لكونك -كبرت وصرت تقدر؟-

كم مرة خضت جدالًا بسيطًا معهم عن أمور صغيرة لتفعلها بنفسك؟

أثق بأنه الكثير من المرات..

من وجهة نظرنا هذا نضج، ومن وجهة نظرهم هذا تخلِّي.

ولأننا في وسط اجتماعي؛ قد نحتاج في بعض الأوقات أن نسلك سلوكيات تجمع وجهات النظر المختلفة، حتى تمضي الحياة بخِفة.


برأيك؛ ما الذي تستطيع فعله لتخفيف هذه المشاعر عنهم؟


جرِّب تعاملًا مختلفًا معهم، كأن تطلب منهم من حينٍ لآخر أن يفعلوا أمرًا لأجلك -مهما كانت بساطته-

كتقطيع فاكهتك المفضلة لك، كإصلاح عُطل في شيء تملكه، أو عن حاجتك لسماع دروسهم التي تعلموها من هذه الحياة، أو ذكريات طفولتهم ومراهقتهم!

جرب أن تظهر تقديرك لهم، وتظهر أنهم لا يزالون قادرون على أن يكونوا ذو فائدة لمن حولهم.

إن إظهارك لأهميتهم في هذه الحياة كأفراد، لا يتنافى مع نضجك واعتمادك على نفسك.

بل هو تقدير لهم، وتخفيف من وطأة شعور قاسٍ ووحيد، يصارعونه في هذه الحياة دون البوح عنه.


لا يمكننا الشعور بالمشاعر المختلفة التي يشعر بها كبار السن، ولكننا نملك القدرة على تخفيف بعضًا منها، وتذكيرهم بأهميتهم كأفراد عاشوا هذه الحياة، بغض النظر عن مشاعرنا الشخصية تجاههم.



أتمنى لي ولكم استمرارية الموازنة بين رحلاتنا الشخصية، وأدوارنا الاجتماعية في أوساطنا المُختلفة!

Join