تحت ظل شجرة

 

مجهولٌ اعتاد المرور من هذا الطريق عدة مرات، جزءٌ منه تحت ملكيته الخاصة والمتبقي لا يعلم من يمتلكه.. يمر من هذا الطريق كلما تعكر مزاجه أو شعر بنشوة السعادة، وعند هطول المطر يسرع ليقف تحت هذه البقعة من الطريق؛ إذ تمتاز بمنحه الحرية ليشعر بتساقط المطر عليه بخفة وتحميه الأشجار التي تُظلها بالآن ذاته. شجرتان ضخمتان تُطلان بأوراقهما وفروعهما المتشعبة لتُظللا هذه البقعة بظلالهما وتحميا من يحتمي تحتها من أشعة الشمس، أو غزارة الأمطار في أوقاتٍ أخرى.


مضت عدة سنوات لم يتخلَ المجهول فيها عن عادته تلك، أي؛ عبور الطريق والوقوف تحت هذه البقعة متفكِّرًا بأمورٍ شتى من حياته.. لم يكن يقضي هناك أكثر من عشرة دقائق، ولكنها كانت فارقةً بالنسبة إليه. لم يكن يدرك لمَ يفعل ذلك ولمَ اختارت قدماه هذه البقعة تحديدًا أو ماهية امتيازاتها.. أو لمزيدٍ من الدقة؛ لم يكن يُدرك أنها عادة! كانت قدماه تسوقه إليها بلا وعي، ويعود منها متخففًا من أثقاله بلا وعيٍ أيضًا! كان لا وعيه يقوده للاتصال مع الطبيعة والتفكُّر لكيلا يقتله الجلوس وحيدًا داخل قوقعته المظلمة.

وفي صباح يومٍ ماطر، خرج ليقف على بقعته المعتادة؛ لكي تلامسه بعض قطرات المطر ويحتمي من غزارته أيضًا، لكن كان هناك شيء مختلف.. لم يدركه من اللحظة الأولى، لكنه كان يشعر بغزارة المطر وحدة قطراته وهي تلامس جسده وكأن لا شيء فوقه يُظله، وبنظرة خاطفة للأعلى رأى أن الأشجار غير موجودة.


هنالك من قرر إزالتها وقصَها.


في غضون لحظات، اجتاحه غضبٌ شديد صاحبه الكثير من الأفكار.. من له الحق بالعبث ببقعته الخاصة؟ من له الحق بإزالة ما يحتمي به؟ ومن له الحق بقص الشجرتان اللتان رافقتاه في مختلف أطواره على مدى السنين؟ شعر أن فقد شيئًا اعتاد امتلاكه ووجوده لمدة طويلة، وشعر أنه تعرض للانكشاف على مرأى الجميع لكن في مأواه الخاص.

ثم أدرك أن جذور تلك الأشجار.. لم تكن تحت مساحة ملكيته.


كانت الأشجار مزروعة على الجانب الآخر لمساحته، ولضخامة حجمها كانت تصل إليه وتُظله وهو في مكانه، كانت ملكًا لغيره طوال هذه المدة، وهو من سمح لنفسه بالانتماء لما لا يملكه.. إذ لم يلقِ بالًا أن ينظر إلى جذورها يومًا، اعتاد وجودها، والاستفادة مما كانت تُمثله ظلالها.. واعتبر وجودها الدائم من المسلّمات، إلى أن فقدها.


تلاشى غضبه شيئًا فشيئًا.. وأخذ الحزن مكانه ليتصدر المشهد.

كم من شيء في حياته كان يعني له الكثير ويُعينه على تحمل الحياة، لم تكن جذوره وثيقةً به؟

كم من شيء ظن أنه دوامه أمر مفروغٌ منه واستند عليه لسنواتٍ عدة، سيستيقظ يومًا ولن يجده؟


استمر عقله بالإجابة على تساؤلاته بقائمةٍ تطول ولا تنتهي.. لا لأن هنالك ما يعيبه هو، ولكنه بكل بساطة مؤلمة؛ لم يكن أرضًا خصبة لتزرع هذه الأشياء جذورها بداخله.


أدرك أن علينا بذل جهد تجاه الأشياء التي تعيننا، أو نجد من خلالها مهربًا من/ إلى الحياة، لنزرع بذورها بداخلنا، وأن نتأكد من تواجد جذورها ضمن نطاقنا، وألَّا نسترق من الآخر ما زرعه؛ لكيلا نتهاوى عندما يقرر التصرف به.


عاد المجهول إلى قوقعته المظلمة، آملًا أن يزرع بداخلها جذورًا جديدة تعينه على إكمال حياته.

Join