لماذا يظل القلق مستمرا رغم العلاج
الكاتب الاخصائي النفسي الاكلينيكي الاول: أسامه الجامع
أتحدث في هذا المقال عن مجموعة من الأسئلة التي قد تواجه المعالج النفسي بالعيادة عندما يعالج من لديه اضطراب القلق العام، لماذا يظل الاضطراب موجودا رغم ما بذلته من علاج معرفي سلوكي؟ رغم أن القلق كما تعلمون هو نتيجة للمعتقدات الخاطئة والمشوّهة لما يظنه المريض أن خطر ورغم محاولتك تبصيره بتغيير تلك المعتقدات واقتناعه التام بخطأها، إلا أنه يعيد نفس المخاوف، بل ويقول لك -أنا أعلم أنها خطأ لكني لا أستطيع!، والسؤال هنا لماذا تبقى بعض المعتقدات الخاطئة في ذهن المريض؟ إذا كان المريض يعلم أن مخاوفه هي مبالغات لماذا لم يقم بتصحيح تلك المبالغات؟ بعض أنواع القلق يقوم الفرد بتصحيح نفسه self-correction، وبعض الأشخاص لا يتمكنون من ذلك، لماذا؟
القلق كما تعلمون هو نتيجة للمعتقدات الخاطئة والمشوّهة
ومثال على ذلك من لديه اضطراب الهلع يعتقد أنه سيصاب بنوبة قلبية، ورغم مروره بعشرات نوبات الهلع لا يبدو أنه استوعب أنه لم يصب ولا مرة بنوبة قلبية، لذا يوجد تناقض منطقي بين تكرار خوفه الفظيع وبين فشل حصول نوبة قلبيه مرارًا وتكرارًا، ومثله المصاب برهاب اجتماعي والذي يخاف من تقييم الناس له، رغم أنه جرب أكثر من مرة الاحتكاك مع الناس لم يستهزأ به أحد ولم يقرّعه أحد وهو موظف بالغ راشد وعادة ما يستحضر ماضي قديم وهو صغير، هم لا يلاحظون أنهم اختلفوا وتطوروا.
كانت تلك أبرز التساؤلات التي وردت في بحث شيق قام به العالم النفسي الشهير ديفيد كلارك من جامعة اكسفورد، "لماذا بعض المعتقدات تصر على البقاء في ذهن المريض؟ وكيف يمكن علاجها؟" إذا استطعت الإجابة على هذا السؤال استطعت ان تحقق تقدما في علاج المريض. ذكر الدكتور كلارك أن هناك ستة عوامل إذا توفرت أو توفر بعض منها فإن المعتقدات الخاطئة تظل باقية رغم جهود العلاج وأن هذه العوامل هي ما تمنع المريض من تصحيح نفسه بواقعية، وهي:
سلوكيات الأمان
طريقة الانتباه
التخيل العفوي
التفكير العاطفي
عمليات التذكر
طبيعة عنصر التهديد وماذا تمثل" طبعا بسبب ترجمتها العربية قد لا تكون مفهومة بشكل واضح لكن سأقوم بالتحدث عن مصطلحين باستفاضة
سلوكيات الأمان: يتحدث Salkovskis, 1991 عن سيطرة التفكير الكوارثي عند المصاب باضطراب القلق، وينتج عنه مجموعة من السلوكيات لمنع حدوث التهديد أو ما هو قلق بشأنه بصورة لا واقعية، ويفسر لماذا عندما لا يقع ما يقلق الفرد بشأنه لا تزال المعتقدات السلبية نفسها لم تتزحزح، وتجد المريض يقول لك كمعالج أنا أعلم أن هذا التفكير خاطئ لكني لا أستطيع منع نفسي من القلق، لذا من صغائر السلوك التي على المعالج البحث عنها سلوكيات الأمان Safety behaviors وفي الحقيقة فإن سلوكيات الأمان رغم أن اسمها سلوكيات أمان إلا أنها تحمل داخلها أيضا عمليات معرفية خاطئة كذلك Internal mental processes مثل من تهجم عليه نوبة هلع فيقوم بالحركة البطيئة والاستناد لشيء ثم الجلوس، فيعزو أنه لم يمت لأنه فعل تلك السلوكيات، لذلك تجدون في تجربة بديسكي Padesky المصورة لمن رأها عندما جعلت امرأة مصابة بنوبات هلع تقوم بالتنفس السريع لتشعر بنفس أعراض نوبة الهلع Hyperventilation وفي قمة التنفس أرادت المرأة الجلوس لكن بديسكي طلبت منها ألا تجلس وأن تقف حتى وإن لديها خوف، وقد قمت بهذه التجربة بنفسي في العيادة وكانت ناجحة جدا، وفيها إثبات وتغيير لمعتقد المريض أنها مجرد أعراض لا علاقة بحصول الخطر. أو شخص يهاب التحدث أمام الجمهور ثم يقوم بالتجربة ويتحدث أمام الجمهور بنجاح فيقول لنفسه "لم أتحدث بنجاح إلا بسبب أن الناس كانت تجاملني أو بسبب مساعدة زميلي في تشجيعي، ولو كان الأمر إلي لفشلت" مثل هذا النوع من التفكير يبقي اضطراب القلق بمستوى مرتفع رغم نجاحه بالتجربة السلوكية.
عنصر "خلل الانتباه" وفيما يخص المخاوف هناك نوعين من خلل الانتباه الأول Attention towards threat cues الانتباه تجاه ما هو مقلق، والثاني Attention away from threat cues ابتعاد الانتباه عن ما هو مقلق. سأتحدث عن النوع الثاني حيث أن طرحه قليل.
في تجربة بالمعمل قام Macleod & Mathews 1986 عن عينتين من الناس الأولى مصابين بالقلق والثانية غير مصابين بالقلق، وعرض عليهم مجموعتين من الصور، الأولى صور لوجوه faces والثانية صور لجمادات، النتائج أظهرت أن الأشخاص المصابين بالقلق كانوا يميلون للانتباه لصور الجمادات مبتعدين عن صور الوجوه، بعكس الغير مصابين بالقلق، لذلك الأشخاص الذين لديهم رهاب اجتماعي عادة ما يبتعدون في نظرهم عن الاتصال البصري، وهو ابتعاد انتقائي فيه اختيار لعدم الانتباه.
في بحوث قام بها كل من Chen, Ehlers, Clark & Mansell أن الأشخاص المصابين بالرهاب الاجتماعي يفقدون الفرصة لتصحيح أفكارهم الخاطئة بكثرة ابتعادهم عن رؤية وجوه الناس وردود أفعالهم مما يمنع عنهم جمع معلومات تكون مفيدة وإيجابية لهم في تصحيح أفكارهم الخاطئة. لذلك من مهام المعالج الدقيقة تصحيح تلك المعلومات المعرفية الخاطئة لدى المريض ثم القيام بتجارب تكسر مثل ذلك السلوك الآمن وجعل المريض يقوم بالاتصال البصري بشكل مستمر وكتابة ما الذي تعلمه وشعر به من خلال هذا الفعل الجديد بالنسبة له.