!توقف عن الركض

تحريرالاخصائية النفسية فاطمة سالم

نمط الحياة المعاصر ينطوي على الكثير من المهام والمتطلبات من أجل مواكبة التقدم السريع في مختلف مجالات الحياة ، مما يجعل الفرد يكرس الوقت والجهد في سباق مع الزمن متنقلاً من عمل إلى آخر ومن مسؤولية إلى التي تليها!

 أو على صعيد آخر من الانشغال يفني عمره سعياً للاطلاع على مستجدات العالم وأحاديث وسائل التواصل الاجتماعي ومنافسة المشاهير في اقتناء ما يقتنون واتباع ما يفعلون.

كل ما سبق بالإضافة إلى ارتفاع معايير النجاح في الفكر الجمعي أدى إلى سقوط الفرد في حلقةٍ مفرغةٍ من الركض المتواصل دون وعي أو استحضار للحظة الحالية ، فيسقط منه الكثير من القيم التي يقدرها وتفوته الكثير من المتع لأنه كان منشغلاً عن الاحساس بها وينسى الاحتفال بالكثير من الإنجازات التي حققها لأنه يعمل على تحقيق غيرها .

هذه اللحظات من الحضور والصفاء الذهني ضرورية لجودة الحياة

السعي والعمل والتواصل مع العالم أمور مهمة وحتمية على الانسان إلا أن ذلك يجب ألا يكون على حساب تواصل الإنسان مع نفسه والذي لايتم إلا بالتريث والتركيز في اللحظة الراهنة منفصلاً عن اجترار الماضي أو التخطيط للمستقبل فيكون هنا والآن بتفكيره ومشاعره وجوارحه تماماً كما يحدث مع الأطفال حين ينغمسون في اللعب!

هذه اللحظات من الحضور والصفاء الذهني ضرورية لجودة الحياة ففيها يمكن للشخص أن يعرف نفسه وماذا يريد حقاً دون مؤثرات خارجية قد تفرض عليه احتياجاته فالكثير مما نراه مُهمًا هو في الحقيقة شيء أخبرنا الأخرون أنه كذلك، وعبر البقاء في اللحظة الراهنة يمكن أن نلحظ المسرات الصغيرة التي تمضي في العادة دون ان نعيرها أدنى اهتمام، ونستمتع بالهدوء بعيداً عن المخاطر المتخيلة والأحزان المتضخمة.

يقول (أندرو ماثيوز) : "إن المعيار الذي نقيس به راحة البال ومقدار الكفاءة الشخصية يتحدد حسب القدرة على عيش اللحظة بغض النظر عما حدث بالأمس وما سيحدث في الغد"

 

ما الذي نبحث عنه؟

إن الهدف النهائي الذي نسعى إليه خلف كل غاية نرغب في تحقيقها أو أمر نأمل الحصول عليه هو الوصول للسعادة إلا أننا كلما امتلكنا شيئًا توجهت انظارنا نحو الأمر الذي لا نملكه وكلما اتممنا عملاً اتجهت أفكارنا للتخطيط للمهمة التالية وكلما بلغنا محطةً قررنا أن الراحة في المحطة المقبلة ذلك أن مساواة السعادة بمجموع النجاحات والممتلكات معادلة غير واقعية تقودنا إلى انخفاض تقدير الذات والتأنيب المستمر والإحباط المتتابع وبهذا نبتعد عن السعادة المأمولة أكثر وأكثر

 

 

خذ استراحة !

لن ينتهي العمل ولن تخلو قائمة المهام ولن تنضب المُلهيات ولن يتوقف حدوث الأشياء الجديدة التي تسعى للاطلاع عليها أولاً بأول ، لذلك ومن أجل صحتك النفسية خذ استراحة فلست مطالباً بإتمام كل شيء ولا مسؤولاً عن مجريات العالم.

بين حينٍ وآخر اقتطع من وقتك جزءً تقضيه مع نفسك بعيداً عن الضجيج تنفس بهدوء ، اشرب قهوة ، تأمل شروق الشمس ، اكتب ما يجول في خاطرك ، إلعب إن كنت تحب ذلك ، المهم ألا تفقد نفسك في زحام الحياة وتأكد أنك ستعود بعدها بنشاطٍ أكبر وقدرة أعلى على الانجاز وتحديدٍ أدق للأهداف وبصيرة أعمق عن نفسك وماذا تريد.

 

Join