الهشاشة النفسية

للكاتبة عضو فريق مركز سعداء :سميّة الزهراني 

في الفترة الماضية شرعت بقراءة كتاب (الهشاشة النفسية) للدكتور إسماعيل عرفه، ويجيب فيه الكاتب على سؤال: لماذا أصبحنا أضعف وأكثر عرضة للكسر؟ 

كانت الإجابة نيّرة أضاءت عتمةً في عقلي وقلبي، وأجابت على العديد من التساؤلات التي تعتريني. 

لماذا نقوم بتضخيم مشكلاتنا إلى درجة تصورها ككارثة وجودية؟ 


تسمى هذا العملية في علم النفس: pain catastrophizing 

وهي عبارة عن حالة شعورية تجعلنا نؤمن أن مشكلاتنا أكبر من قدراتنا على التحمل والحل، فنشعر بالعجز والانهيار والاستسلام والتحطم الروحي والإنهاك النفسي الكامل

فأصبحت العيادات النفسية تكتظ بالعملاء، والاستشارات الهاتفية أو على الإنترنت تشهد زحفًا يغري بالمزيد، وهذا بحد ذاته مؤشر خطر لما تؤول إليه الأوضاع. 

ولهذا العلم ومختصيه ومؤسساته نفعٌ لا يُنكر، ولكن نحاول أن نشير هنا إلى تلك المشكلات التي بإمكان الفرد مواجهتها وحلها بمفرده، فكلنا معرضون للإخفاقات والانكسارات والآلام بشكل متكرر؛ فليس كل حزنٍ اكتئاب، وليس كل ألمٍ صدمة، ولا يستدعي ذلك تدخلًا دوائيًا وعلاجيًا ينتج عنه الدخول في هوس الطب النفسي الذي يستمر لسنواتٍ عديدة دون جدوى، وذلك لأنه تشخيص خاطئ لمرض غير موجود من الأساس.

يقول ابن القيم: 

"وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يُدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأنه بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة..

فلا فرحة لمن لا همَّ له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له..

بل إذا تعب العبد قليلًا استراح طويلًا، وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة قاده لحياة الأبد، وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة، والله المستعان، ولا قوة إلا بالله.." 

صدمات المحن، وتباريح الزمن، وتفاصيل العلاقات، وتنوع الوجوه، والتجريح والإساءة هي جزء من طبيعة حياة كل إنسان ولابد أن نتقبل ذلك. 

فكل إنسان يدركه العثار في سيره للعيش بهناء ورغد، ولكن الحياة طُبعت على كدر، فهي بين مد وجزر، وشدة ورخاء، وضيق وسعة، والكيّس من لا تزيده الأحداث إلا صقلًا؛ فيسعى لاستخلاص نفسه من ظلام الموقف الحالي واتخاذه معبرًا إلى المجد والإنجاز. 

يقول د.ديفيد ر.هاوكينز، وهو طبيب اكلينيكي ونفساني: "إن كل تجربة في الحياة مهما كانت (مأساوية) تحمل في طياتها درسًا خفيًا، حين نكتشفه ونعترف بوجود هبه في طياته يحصل الشفاء"

إن الوصول إلى أعلى مستوى من الصحة النفسية يعتمد على قدرتنا على التحمل والمصابرة والمجاهدة والقدرة على التكيف وخلق الحلول المناسبة في جو من التعقل والتريث والهدوء، وذلك سعيًا إلى رفع المناعة النفسية، وهذا أشبه ما يكون برفع مناعة الجسد عن طريق ممارسة الرياضة وحمل أوزان عالية لزيادة الكتلة العضلية. 

فتحولات الزمن وتحديات الحياة تضعنا بين خيارات تحدد مستقبلنا؛ هل علينا أن نتعظ من هذه التجربة وننضج أم نستسلم لتبعاتها؟ هل علينا أن نعزل الأثر السلبي لأفعال الآخرين أم نعيش نوعًا من القابلية للاشتعال والمهاجمة؟ هل علينا أن نعيش تحت وطأة الخوف من الجديد ومن المستقبل ومن الناس أم نختار التغاضي عن هذا الشعور والعيش بأمل؟ 

الإغراق في أعراض المشكلة لن يسمح بالنظر إلى حقيقتها، والاستسلام للشكوك والانقياد ورائها يجعلها تلاحق اليقظة والمنام، إنها زنزانة يقبع فيها نزلاء مستسلمون، يحاولون فك أسرهم بعد أن ضعفت قواهم. 

يقول توماس: "الشك هو الصديق الحميم للأرواح الضعيفة" 

المخاوف تكبر، ولكنها ليست مسوغًا لما يقع، وكل إنسان بإمكانه ترويض نفسه قبل فوات الأوان (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم)

ولكل مشكلة حل، ولكل حل طريقة، يقول أرسطو: "يمكن لأي شخص أن يغضب، فهذا أمر سهل، ولكن توجيه الغضب إلى الشخص المناسب، بالدرجة المناسبة، في الوقت المناسب للغرض المناسب بالأسلوب المناسب ليس سهلًا، وليس بإمكان الجميع" 

فتقوية النفس بتعريضها لمواقف الحياة لمعرفة طرق التعامل مع المشكلات بشكل صحيح يؤهل مستقبلًا لأداء أفضل، ويزيد من منسوب الصبر وتحمل المسؤولية ويرفع المناعة النفسية، ولا ننسى أن (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف).

عن مؤلف الكتاب



دكتور صيدلي، ومؤلف مصري له العديد من الكتب ويعمل كباحث ومترجم

الشك هو الصديق الحميم للأرواح الضعيفة

Join