سلسلة مقالات عن العلاج بالقراءة: علم نفس الكتاب (1)
الكاتب : أحمد الفرير
كل الظواهر اللفظية لها أساس بيولوجي فيما تخلفه في الدماغ من آثار، وفي ذكريات الماضي وانطباعاته التي تختزن في الذاكرة
قانون سيمون“
المعرفة البشرية كانت تنتقل بين الناس عبر وسائل متعددة من أهمها الترجمة، وبرغم التقدم الهائل في مجال الترجمة إلا أن الترجمة من اللغة الروسية إلى اللغة الإنجليزية أو اللغة العربية العربية واجهت صعوبات كثيرة، واقتصرت الترجمة غالباً على الأدب الروسي مما جعل أجزاء كبيرة من كتب العلماء الروس العظام مطمورة بين جنبات مكتبة لينين في موسكو أو ما يعرف اليوم باسم المكتبة الوطنية، ومن أشهر هذه العلوم علم نفس الكتاب لنيقولاس روباكين، الذي يعتبر هو الأب الروحي والمؤسس الحقيقي لعلم نفس الكتاب.
واجه هذا العالم صعوبات في بلده اضطرته للانتقال لأكثر من بلد أوروبي مكرساً حياته للكتب التي كان يرى فيه أداة هامة للتنوير. والّف الكثير من الكتب في مختلف المجالات حيث كتب 280 كتاباً في الثقافة العامة، و49 كتاباً لأصحاب الثقافات الرفيعة، علاوة على قصتين لم يكتب لهما أن تريا النور حتى الآن، على الرغم من ذلك كله فإنه لم يحظ هو أو اعماله بالاهتمام والمكانة اللائقين بهما لعدم ترجمة أي من اعماله إلى اللغة الإنجليزية إضافة للظروف السياسية التي صاحبت فترة ظهور هذه الأعمال.
كانت مراسلات روباكين مع القراء والمتابعين له بالآلاف من مختلف انحاء العالم سبباً في كتابته لأكثر من 1500 برنامجاً للعلاج بالقراءة تتضمن طرقا وأنظمة يتبعها القارئ ، كانت قراءاته وكتبه وبرامجه النواة الأولى لتأسيس معهد علم نفس الكتاب في عام 1916 بدعم من معهد جان جاك روسو، والمعهد الدولي للببليوجرافيا، وكان مقر المعهد هو مكتبة روباكين الخاصة في منزله بمدينة لوزان الفرنسية التي انتقل إليها ، وقد نشر روباكين نتاج اعماله وابحاثه التي تمت في هذا المعهد في كتاب صدر في مجلدين باللغة الفرنسية تحت عنوان " مقدمه في علم نفس الكتاب" حيث يعد هذا الكتاب من أمهات الكتب المتخصصة في علم نفس الكتاب.
كان من اعمال روباكين المهمة في علم نفس الكتاب قيامه بإعداد قائمتين ببليوجرافيتين بأفضل الكتب التي يوصي بها للقراءة العامة، الأولى بعنوان "بين الكتب"، والثانية بعنوان " ممارسة تعليم الذات"، وهذه الأخيرة تعد بمثابة دليل إرشادي ليس في تصنيف الكتب وإنما في حسب النمط النفسي الذي يعالجه كل منها، والمستوى الفكري الذي يوجه إليه.
في علم نفس الكتاب وضع نيقولاس روباكين قوانين أو مبادئ لعلم نفس الكتاب، والتي فيها القاعدة التي يتم التركيز عليها عند إجراء التجارب من بينها:
الكتاب ليس وعاء لنقل المحتويات، ولكنه وعاء يعلق عليه القراء اسقاطاتهم، وأي قارئين للكتاب نفسه سوف يخرجان بانطباعين مختلفين، بل إن القارئ الواحد لو عاد بعد عدة سنين إلى كتابه المفضل سوف يجده مختلفاً وربما مخيباً للآمال "قانون الكتاب وعناصره".
كل الظواهر اللفظية لها أساس بيولوجي فيما تخلفه في الدماغ من آثار، وفي ذكريات الماضي وانطباعاته التي تختزن في الذاكرة) " قانون سيمون
الكتاب يكون له أقوى تأثير على القارئ الذي تكون نفسيته منظمة على نمط نفسية المؤلف " قانون هينكوين"
توفي روباكين في عام 1946، إلا أن العلاج بالقراءة لم ينتهي بوفاته وإنّما تطور نظراً لصلة العلاج بالقراءة الوثيقة بالأدب والاعمال الفكرية لمختلف الكتاب والمؤلفين ،بالإضافة لأهميته الكبيرة التي زادت خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها، ومع التطور المعرفي أصبح العلاج بالقراءة لا يقتصر على الكتاب وإنما أصبح يتضمن مواد مسموعة ومرئية بمختلف أنواعها، بمعنى آخر أصبح العلاج بالقراءة يستخدم المعلومات أي كان القالب الذي صُبّ فيه.
وتنوعت استخداماته حيث انه لايقتصر على من يمر بأزمات نفسية وإنّما أصبح يستخدم على نطاق واسع بين الأشخاص الذين يرغبون في تحسين صحتهم النفسية او في زيادة مهاراتهم الشخصية في جوانب متعددة.
اما في السنوات الأخيرة فتمّ استحداث درجة وظيفية في الحكومة الفيدرالية بمسمى اخصائي العلاج بالقراءة يلزم لمن يشغلها أن يكون تلقى تأهيلاً ودراسة لمدة سنة على الأقل في مجال العلاج بالقراءة بالإضافة لتخصصه الأساسي النفسي.
في الختام مازال علم نفس الكتاب بشقّه النظري أو العلاج بالقراءة بشقّه التطبيقي مجالاً متجدداً لأبحاث وتطبيقات تستخدم في العيادات الحضورية او عن بعد تحسّن من جودة حياتنا وتساعدنا على مواجهة صعوبات الحياة .