سلسلة مقالات عن العلاج بالقراءة: العلاج بالقراءة عبر التاريخ (2)

أحمد الفرير

العلاج بالقراءة أسلوب علاجي قديم تم استخدامه منذ آلاف السنين من قبل المصريين ويتضح ذلك في الشعارات المكتوبة على جدران المكتبات المصرية التي كانت تقول: "هنا علاج الروح"، “هنا بيت علاج النفس".

ثم انتقلت تلك المفاهيم بعد ذلك إلى المكتبات البابلية والآشورية ثم اليونانية والرومانية.. وكان الشعر إحدى المواد الأدبية التي استخدمت في العلاج بكثافة عبر التاريخ.

اما في تاريخنا الإسلامي العظيم فإن اول آية انزلت على الرسول الأمي عليه الصلاة والسلام كانت (اقرأ باسم ربك الذي خلق) "سورة العلق:1" ،  وتكررت الكلمة مرة أخرى في نفس السياق (اقرأ وربك الأكرم)"سورة العلق:3" هذه دلائل على أهمية واثر القراءة في الرسالة التي ارسل الله _عز وجل_ نبيه محمد عليه افضل الصلاة وأتم التسليم بها ، والدلالة على عظمة القراءة أنّ معجزة نبينا كانت كتاب...كتاب الله الذي أمرنا بقراءته وتدبره والانصات له قال تعالى: ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) ، اما في اثر العلاجي لهذا الكتاب العظيم فيتضح في قوله تعالى : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين )"سورة الاسراء :82".

اقرأ باسم ربك الذي خلق

"سورة العلق:1"

مع مرور السنين ازدادت أهمية العلاج بالقراءة والشعر في نفوس العرب حتى أن الخليفة ابوجعفر المنصور لما مات ابنه جعفر وانتهى من دفنه وعاد إلى قصره طلب من وزيره الربيع: أن يبحث عن احداً من اسرة الخليفة واقاربه من ينشده قصيدة الشاعر ابوذؤيب الهذلي التي تبدأ بهذا البيت:

أَمِنَ المَنونِ وَريبِها تَتَوَجَّعُ * وَالدَهرُ لَيسَ بِمُعتِبٍ مِن يَجزَعُ

فخرج الربيع إلى بني هاشم وسألهم، ولكنهم لم يعرفوها فعاد إلى الخليفة وأخبره، فقال الخليفة: والله لمصيبتي بأهل بيتي بعدم معرفتهم بهذه القصيدة أعظم واشدّ عندي من مصيبتي بابني!

فبحث الربيع حتى وجد شيخاً كبيرًا  يحفظ القصيدة فأنشدها للخليفة الذي كان بحاجة لأبيات شعر تواسيه في ابنه.

اما في الحضارة الغربية فكانت الأدلة على اثر العلاج بالقراءة واستخدامهم له ظهرت في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وذلك بتخصيص شخص يقرأ أجزاء من الأنجيل على المرضى سواء المصابين بمرض نفسي أو مرض عضوي، اما الممارسة الحقيقية للعلاج بالقراءة كعلم قائم على ممارسة منضبطة فترجع إلى تاريخ 1802م حيث اطلق الدكتور بنيامين رش Benjamin Rush دعوته التقدمية في استخدام القراءة كعلاج للمرضى العقليين  ثم أوصى بعد ذلك بسنوات بضرورة استخدام القصص والكتب الدينية ضمن روشتة العلاج لمرضاه العقليين، وتوسع بعد ذلك بنيامين رش في تنويع المواد القرائية بحسب احتياجات مرضاه، وبعد ذلك تطور مفهوم العلاج بالقراءة ليشمل حتى الأشخاص العاديين ، وانشأت المكتبات في المستشفيات والسجون ، وزادت الأبحاث التي تعنى بالعلاج بالقراءة في الدول الأوروبية ، وبدأ العلماء بنشر قوائم ببيلوجرافية تتضمن الكتب التي تنفع في العلاج النفسي، واستمر في التطور في العالم الغربي حتى اصبح العلاج بالقراءة يستخدم كعلاج نفسي في بعض الاضطرابات النفسية او علاج مساعد  يقوي من عزيمة  المصابين بالأمراض العضوية في مواجهة امراضهم.

اما في العالم العربي فبدأ يكتسب العلاج بالقراءة اهتماماً متزايداً حيث قام بعض الباحثين العرب بعمل دراسات تجريبية علمية عليه وأثبتت الدراسات العلمية نجاحاته في تحسين الصحة النفسية وتغيير الأفكار السلبية عن الذات مما يدل على أن التوجهات الحديثة في العلاج النفسي تشير إلى أهمية توجيه المختصين في العلاج النفسية لإستخدام العلاج بالقراءة حيث انه سيحقق نقلة نوعية في تحسين صحة العميل.


Join