الأمن الفـكري في زمن استدراج العقول
عثمان الأنصاري
يعد مصطلح الأمنُ الفكريّ مصطلحٌ حديث العهد، حيث جمع بين خصلتين لا تكاد تنفكان عن بعضهما، فالأمن ضرورة وجودية للعيش والاستقرار والفكر ضرورة للتعايش، ويعدُّ الأمنُ الفكري هو الركيزة الأساسيّة في المحافظةِ على الأمنِ القوميّ للمجتمع بشكلٍ عام.
ومع اتساع رقعة التواصل بالوقت الراهن أصبح لزاماً على الأفراد والمجتمعات والمؤسسات الحكومية والأهلية التحكم في التدفق الهائل للمعلومات على الأجهزة وشاشات التلفاز وشبكة الإنترنت خصوصا تلك التي تتناول قضايا في الدين وقضايا الوطن وبعض الثوابت والأعراف.
أهمية الأمن الفـكري
الأمن الفكري يتعلَّق بالعقل، والعقل هو آلة الفكر، الذي هو أساس استخراج المعارف، وطريق بناء الحضارات، وتحقيق الاستخلاف في الأرض؛ ولذلك كانت المحافظة على العقل وحمايته من المفسدات، مقصدًا من مقاصد الشريعة الإسلامية.
وقد جعَل الرسول صلى الله عليه وسلم الذين يقدمون الرأي على الشرع، أشدَّ ضررًا على الدِّين من غيرهم، فقد ورَد عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ستفترق أُمَّتي على بضع وسبعين فرقةً، أعظمُها فرقة قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيُحرِّمُون الحلال ويُحلِّلُون الحرام))؛ (الحاكم،1990) [13]
مهددات الأمن الفكري
تنوعت الوسائل والطرق التي ينتهجها مثيرو القلاقل حول العالم بهدف التأثير على الشعوب المراد تضليلها بنشر الأكاذيب والشائعات منها ما يصدر عن أشخاص وقنوات ووسائل محسوبة على الفئة المستهدفة بهدف التأثير على الأفكار؛ ومنها مخططات دولية موجهة تستهدف زعزعة الأمن الفكري لدولة أو طائفة معينة.
وكذلك الانفتاح الإعلامي "البث الفضائي ووسائل التواصل الاجتماعي" والتي تعمل وفق مخطط ممنهج لإعادة صياغة أفكار الناشئة والشباب دينياً ووطنياً، وخلق صدامات وعداوات داخلية، بالإضافة لطبيعة بعض الأفراد "الحدة في الحكم" ومصادرة آراء الآخرين، وكذلك الغلو ومعززاته المختلفة من جهل واتباع للهوى وتعصب عرقي، إقليمي، قبلي، طائفي، رياضي، وغيره، وأخيراً اتباع الشائعات.
الإعلام الجديد خلط المفاهيم
إن الإعلام اليوم بكافة أشكاله ووسائله له دور كبير خاصة بعد ظهور شبكات التواصل الاجتماعي، فأصبح الإعلام الجديد يخترق فكر الشباب دون أن يجد تحصيناً من قبل الطرف الآخر أو توعية أو تصحيحاً للمفاهيم، حيث يعاني الكثير من اختلاط المفاهيم والثقافة فمصدره الحقيقي هو تلك الوسائل التي أشبعت نهمه للبحث عن المعلومة ولكن للأسف المعلومة الخاطئة!
ويتحقق الأمن الفكري بنشر العلم الشرعي في المجتمعات، ورفع الجهل، وتعزيز منهج الوسطية والاعتدال، وغرس القيم الإسلامية، والانتماء الديني والوطني، المبني على الفهم الصحيح لنصوص الوحيين الآمرة بالاعتصام بحبل الله، ونبذ التفرقة، ونشر ثقافة الاستخدام الحذر لمواقع التواصل والتعامل معها على أساس الترفيه لا التوجيه، ومعرفة أساليب استدراج العقول، وتوجيه قادة المنابر الإعلامية وأصحاب الرأي والفكر والمعرفة إيضاح كل ما يشكل على العامة مما يطرح عبر الفضاء الواسع.
وقد أدرك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطر المعارضين لشرع الله بآرائهم، المقدِّمين عليه أهواءَهم، فقال: "إياكم وأصحابَ الرأي؛ فإنهم أعداء السُّنَن، أعْيَتْهم الأحاديث أن يَحفَظوها، فقالوا بالرأي فضَلُّوا وأضَلُّوا") ابن عبدالبر، 1993) [14].