العالم ظاهرة صوتية!



هل لا يزال العرب ظاهرة صوتية؟

أطلق عبدالله القصيمي تساؤله هذا ليتهكم على انجازات الفرد العربي التي كان يجزم أنها لا تتجاوز الخطب و الدعايات و التعاليم المجانية، يقول عبدالله القصيمي في كتابه شديد اللهجة “العرب ظاهر صوتية” القول التالي “إن الإنسان قد اخترع اللغة ليفكر ويبدع ويحب ويرى ويقول الشعر والفنون لا ليتكلم، لا ليكون كائنا لغويا صوتيا، أي عربيا” 

تحدث كي أراك!

سقراط

موضوع مقالي هذا ليس لتبيان مغالطات القصيمي، بيد أني قررت الاستعانة بمقولة مستلة من أحد أشهر كتبه كأداة لتدبيج المتن و الأطراف. عبدالله القصيمي يعرف ما كان، لكنه لا يعرف ما يمكن أن يكون.

طه حسين كان يغوص في أعماق الكتب بحاسته السماعية فقط، زوجته سوزان كانت تحتل بصره و تقرأ له بلا كلل فجميع انجازات طه حسين ونتاجه الفكري الغزير كانت بمعية السماع فقط. 

البودكاست مدونات صوتية أو ملفات بث صوتي تبث عبر الإنترنت، و بتعريف نوستالجي بعض الشىء، البودكاست هو الامتداد الرقمي لمحطات البث الإذاعي.

يكمن سحر البودكاست في أنه يستقبل بحاسة واحدة فقط هي السمع، فيمكن مع الانشغال بالاستماع إلى مختلف محطات البودكاست، أن تتفرغ الحواس الأخرى لأداء أعمال يدوية أو ممارسة الرياضة أو التنقل في الشوارع و المتاجر. الوميض البراجماتي هنا هو امكانية استغلال الأوقات المهدرة في التثقيف و الاطلاع و المتابعة.

العرب ليسو ظاهرة صوتية بل بتسمية أدق، من وجهة نظري على الأقل، هم ترسانة صوتية تميزت بالرصانة في الكثير من نتاجها بدأت من أيام سوق عكاظ و الجمهور الملتف حول شاعرهم المفضل للتمتع بإنتاجه الشعري و سرده البلاغي. التاريخ يكرر نفسه فالمحتوى هو الملك! و البودكاست العربي/الخليجي تميز في كثير من محتواه و المواضيع التي يطرقها فتحملق بين برامجه الكثر من المتابعين و مرتادي مواقع التواصل. 

الكلام و الصوت و الأثير من أهم ناقلات المعرفة البشرية، و أكثر ما تتمظهر هذه الأهمية الصلبة خلال وقتنا الحالي في أوعية البودكاست التي أبدع العرب و الخليجيون على وجه الخصوص في ولوج هذا العالم و صاغو فيه سحابيات تمطر ببرامج ثرية جدا سواء كانت حوارية أو تحليلية أو علمية. لن يعير أحد العرب بأنهم ظاهرة الصوت فقط، لأن البودكاست العربي جميل و لأن الميديائين العرب دببو البودكاست و حولوه إلى رماح تخترق جدارات المعرفة و الفن و علوم الكلام، تفتتها و تذيبها و تلقمها للجمهور و المتابعين. منصات البودكاست المتنوعة تعد من أبرز افرازات الانترنت الثقافية حيث أعطت صوتا و حضورا للمدونين و المدونات من رواد صالونات الانترنت المختلفة و من ناحية تاريخية يعد البودكاست من أبرز تمظهرات مرحلة المابعد، ما بعد الصحافة التقليدية، ما بعد برامج الإف إم و ما بعد الراديو و تسنم أيضا دور البطولة في إعادة الاعتبار للبث الإذاعي عن طريق رقمنته و ضخ دماء الشباب فيه اذ أوشكت الإذاعات أن تتوارى في أضابير التاريخ.

يختلف البودكاست عن منصات التواصل الاجتماعي الأخرى، كتويتر و انستجرام و سناب شات، في أنه يمنح مشتركيه فرصة لإنضاج محتواهم قبل أن يقدموه للجمهور، على عكس المنصات الأخرى التي تعتمد، و إن بشكل غير مباشر، على الالتقاطات السريعة النيئة و اللهاث وراء الأحداث اليومية. 

من المعلوم أن الإبداع لا يصدر إلا من خلفية ثقافية واسعة، و لهذا السبب كان جمال السرد المعرفي في بودكاست أبجورة الذي تقدمه لبنى الخميس و لنفس السبب أيضا أبدع عبدالرحمن أبو مالح في بودكاست فنجان و محمد الشثري في بودكاست جولان و عبدالله العجيري في بودكاست نقطة و محمد الحاجي في بودكاست معنى و القائمة تطول من برامج البودكاست التي تستحق الوقوف و التأمل و (الاشتراك) بلغة البودكاست.

اعتقد أن في أعماق كل انسان حكاءً حبيساً، لهذا السبب نجح الكثير من شباب و شابات المنطقة على منصات البودكاست المختلفة حيث استطاعو امتاع المستمعين بحكايات ممتعة و اكتشافات مثيرة. 

  

 

Join