من هو الغرب؟ أو دعوة لاستثمار  التاريخ السوسيوثقافي للشرق



في هذا الزمان لا يُعرّف الشرقي نفسه إلا بكونه مقابلا للغرب، ومن الغرب يستمد العربي المحايثة والخصوصية والهوية بمقابلته والاختلاف عنه.

لا يعرف المرء في هذه الحداثة نفسه كمسلم وعربي إلا عن طريق تلك المحايثة مع ذلك الآخر.

إن الغرب تحدث طويلا عن نفسه، وقام بالفعل بقراءة نفسه مرارا وتكرارا، بدءًا من مقال كانط الشهير: ما هو التنوير؟ الذي يحدد فيه قراءة طريفة للمشروع التنويري على أنه قائم على قيم عليا وأهدافا من ضمنها التقدم والعقلانية.

غير أن أيضا فوكو وروسو وغوته وهيجل وماركس وخصوصا شوبنهاور ونيتشه وزيجمونت باومان وهيدغر أعادوا النظر كثيرا في الغربيّ، ومن هو الغربيّ، ونقدوا الغربيّ بقدر ما امتدحوه تسليما.

إن الغربي بالفعل يملك تصوراته عن نفسه ومراجعات ذلك ونقده والرد على النقود.

ولكن أن يسأل العربيّ من هو الغرب؟ هو سؤال طريف لم تُكتب فيه بعد طرافة ما كتب كانط في ما هو التنوير.

إن هذه المقالة بالحريّ لن تصبوا إلى هذا الهدف ولا تقدر عليه، ولكنها تُحب أن تتأمل في من هو الغرب بالنسبة إلينا؟ ومن نحن بالنسبة إليهم؟


١- من أين جاءت تسمية الشرق الأوسط؟ أو أننا أُناس شرقيون؟نحن شرق ماذا؟ إذا كان العالم كما هو معلوم كرة أرضية فلا ندري أي شرق أو غرب أو شمال هو ذاك دونما نقطة مرجعية تجعل من دولة ما هي شرق هذا المرجع أو غربه.

في الحقيقة أوروبا في القرن التاسع عشر  وبداية القرن العشرين تحديدا مع ألفريد ثاير ماهان عام 1902 أطلق في مقالة له بعنوان: "الخليج الفارسي والعلاقات الدولية" اسم الشرق الأوسط على ما بين الخليج والهند، وطبعا ذلك لأهمية تلك المنطقة استراتيجيا في إطار بحري أنذاك فكان يلفت إلى أهميتها لبريطانيا من قبل ألفريد ماهان. وعموما منذ القرن التاسع عشر صارت دول شرق أوروبا تسمى الشرق القريب near east والآسيوي البعيد يُسمى بالشرق الأقصى أو البعيد far east. ونحن العرب والأتراك والفرس وغيرهم نقع في الوسط بين الآسيويين والشرق أوروبا فتم تسميتنا الشرق الأوسط. وإلا فإن الشرق الأوسط جغرافيا يقع في وسط العالم وليس في شرقه الأوسط، فلذلك نحن، هم نحن بإزاء الغرب.

واتفاقية سايكس بيكو قد قامت سلفا بتقسيم قومي وهووي ذو خصوصية أخرى كذلك. وذلك يعني ببساطة أن التصور الجغرافي والقومي والسياسي لبعض الدول العربية وغير العربية في الشرق الأوسط هي بطريقة أو بأخرى نتاج لتصدير الغربيّ لنفسه التصور عن أنفسنا. وليس ينبغي أن نتحرر من ذلك كما يكرر علينا القوميون العرب، ولكن الوعي به مهم في العملية البحثية عن من هو الغربي بالنسبة إلينا في الزمان المعاصر؟ 


١-الغرب بوصفه المستورد الأصيل:

إن الغرب ولا شك مشهورون منذ فجر تاريخ اليونان بالعلم التجريبي والفلسفة بمبانيها المعروفة، وكان دائما الغربيّ ذو نزعة تجريبية منطقية، وكان يُنتج بلا شك شعرا ودينا. ولكن لا يبدو شعره ودينه غير صورة باهتة أمام ما يُقدمه من علم ومنطق وفلسفة، ولا تبدو ملامحه وطقوسه في ذلك تقترب حتى من التاريخ العريق والفيض الهائل من التقاليد الأدبية والشعرية والدينية والقانونية كذلك من الشرق الأوسط والشرق الأقصى كما يسمونه.

كون أن حدث الأديان الإبراهيمية لوحده كان قادما من منطقة الشرق الأوسط، والقانون بمبانيه من المصريين والبابليين وكذا كثير من العلوم منها الرياضيات والفلك غير أن تركيزنا ليس على العلوم لهو أمر مهم الانتباه له.

فإن ذلك يعني مباشرةً أن الآباء الروحيين والقانونيين وبدرجة أقل ربما العلميين للغرب هو الشرق. الغرب هو صناعة شرقية. 

وهذا يبينه لنا أيضا كتاب أثينا السوداء. الذي ملّ من تكرار أن الثقافة اليونانية قد استفادت كثيرا جدا من العراق ومصر وغيرها من الثقافات السابقة على اليونان في الشرق الأوسط.

ولكن يجب أن يعي جيدا القارئ أن اليونان (في اعتقاد كاتب المقالة) معجزة حقيقية، حدث مخيف في التاريخ الإنساني، وأنهم بحق شيء عظيم لدرجة أنه حدث مستقل لا ينتمي للشرق أو الغرب بما هو كذلك. 

لكن اليونان-على حد علمي- هو حدث خاطف في التاريخ الغربي أي أننا إذا قلنا الغرب لا نعرف قبل اليونان شيء. وبعده ظلمة ما بعدها ظلمة، ثم جاءت الأنوار أخيرا مع النهضة الأوروبية.

غير أن الشرق شارع مضيء على مد التاريخ كما يبدو. فمنذ أن عرف الإنسان الكتابة ، وكل شيء في مصر والعراق والصين كائن، وأهل الشرق الأقصى (كالصين) هم في إضاءة وأنوار مذ عرفوا أنفسهم، نعم لقد تخبطّت الصين في الكثير من الحروب الأهلية مثل حقبة الممالك الكثيرة والدويلات قبل توحيد الصين. غير أن الصين لم تتوانى عن التقدم الفكري والعسكري والفلسفي والروحي الذي يخصهم. الصين هي أُمة لم تُكتشف بعد، لقد بقيت معزولة عن العالم طيلة التاريخ الإنساني حتى وقتنا الحاضر، والصيني يملك شيئا مرعبا يُذهلني كثيرا من التكوين التاريخي والثقافي والخصوصية اللافتة للنظر والحدة في الإنتاج والإبداع.

إن الهند والصين وفارس ومصر والعراق القديمة هم جغرافيات لطالما كانوا يصدرون للعالم كل شيء. 

يجب الإنتباه جيدا أن كون الشرق الأوسط هو محط ومهبط الديانات لا يعني ذلك أنها مركز روحي فحسب، بل تعني أن لديها تمارين بشرية وطول نفس في العالم والحكمة والعلم لا حد له، ذلك يعني أنهم شعوب قد خبروا العالم على شكل مترف وعميق وذو طابع معرفيّ عالي وإنسانيّ.

ليس صدفة أن النُظم الأخلاقية (كالبوذية والكونفشيوسية والتاوية) والقانونية (كشريعة حامورابي) والروحية (الزرادشتية والمانوية والأديان الإبراهيمية) هي قادمة من الشرق. ذلك يعني أن الشرق كان وما زال المحتكر الأصيل للتصدير لمنتوج صلب عابر للتاريخ من المنظومات الأخلاقية والدينية والإطارات القانونية. وهذه منتجات كونية الطابع عابرة بثقلها فحسب للزمان.

أما لماذا قانونيا أيضا فذلك لأن الأديان بحد ذاتها كانت تقدما قانونيا، خصوصا بدءا من اليهودية نجد تعقيدا هائلا في الشريعة مما يسمح لنا أن نقول أنها مدونة قانونية لإدارة اليهود وشؤونهم على وجه مدنيّ بروح دينية وفقهية. وكذا شريعة حامورابي. 


٢-الغرب بوصفه بحاجة إلى إنقاذ:

الغرب في أزمة روحية، ولما عدم الشرق اليوم تحت ضغط الهيمنة الغربية واحتكارها للسوق وزجرها عن ما عداها إثر  رذاذ أنفاس العولمة الغربية عن تقديم بضاعته الشرقية المعتادة وكبتها، رغم ذلك لا يزال الغربي يُفتش في تاريخ الشرق كي يجد دواءً لغربيته المتفلتة، لغربيته الجديدة على العالم، حيث أن الغرب هو سير جديد وغض وطريّ وينظر متسائلا للعالم بعيون الطفل المتسائل دونما إمكانية الحكمة على الوجه المطلوب، والمطلوب هو بضاعة شرقية حصرا، والغرب يجتهد لإنتاج شيء يخصه. وهذا ليس بالضرورة لخصيصة تفوق عرقي بالشرق فليس هذا مقصود المقالة، وإنما يبدو بأن الأمم ستبقى تُنتج نتاجا يخص ويتطبع بتاريخها الروحي السوسيوثقافي، يبدو بأن المجتمعات تكرار حتمي لحمولتها التاريخية في طبيعة المنتوج الثقافي لها ككل.

ومعنى ذلك في ظني أن على الشرق الاهتمام بكل المجالات، لكن عليه أن ينتبه لتاريخه السوسيوثقافي الذي يلقي بكاهله على عقول وطبائع أفراده وبالتالي منتجاتهم، وأن يستثمر في ما يُمكنه أن يقدمه وأن يعيد تسويقه على أنه مهم جدا بعد أن ظن الشرق في القرن التاسع عشر انصياعا لنزعة مادية علموية بحتة أنه غير مهم (نعني البضاعات الفلسفية والأخلاقية والأدبية ذات الروح الحكمية الشرقية والنظم الأخلاقية والروحية) لقد بدأ يُدرك الغرب ذلك، منذ شوبنهاور في الحقيقة وتقديمه للبوذية والشرق لأوروبا، منذ ذاك وأوروبا بدأت تعي بعض الشيء أزمتها، وظلال التواريخ السوسيوثقافية.

واستيراد الغرب من الشرق إثر محاولة استكمال روحي وقيمي وأخلاقي على ركام العلمي والفلسفي ليست جديدة، بل الفيثاغوريين استفادوا من الشرق صوفيته وكذا أفلاطون حتى في تفكيره السياسي وأيضا نظراته في النفس وغيرها.

الغرب جعلنا أيضا، نظن أن كل بضاعة مهمة هي بضاعة العلم والمنطق والفلسفة اليونانية التي كانت الحديثة امتدادا لها. غير أن هذا أيضا تصور غربي. والغرب نفسه، ولم نلتفت لهذا كشرقيين بعد، يبحث عن بضاعة شرقية ما عادت موجودة كما ذكرنا ويطرق أبواب التاريخ لعله يجد شيئا في مجالات إنسانية هامة جدا بقدر أهمية أو أكثر من العلم التجريبي وهوس التقدم العلمي والاقتصادي المطرد لغير غاية محددة.

لذلك فرصة الشرق هو أن يكسر إخصاء الغرب لمنافذ الروح والحكمة والأخلاق عند الشرقي، وأن يعيد تقديم منتوجه جنبا إلى جنب مع علمه ومنطقه الذي يحاول فيه مجاراة الغرب وأن يعيد تسويق ذلك والإيمان به، وحينئذ سيجد آذانا صاغية له غربا وشرقا.

إن الحدث والمنتوج الشعري العربي والأخلاقي والأدبي ولعموم الشرق خصيصا هو خطير جدا ويكافئ أو يتفوق على النتاج الغربي الإنساني كمجموع في ظني المتواضع من جهة العمق وشمول مناحي الإنسان وقربه مما هو مهم فعلا في كون الإنسان إنسانا في هذا الوجود وفنون العيش ومناحي الحياة والوجود. التفكير والتفلسف بطريقته اليونانية ليس سوى ضرب خاص مُشبع بالأنا المفكرة وفرداني واختزالي من التفكير، ما يقدمه الشرق هو بضاعات جماعوية وفردانية تذوب في المطلق وفي الجماعة وفي الحكمة المتراكمة، عابرة للزمان، جماعية وصالحة للاستعمال لأعتى المشكلات الروحية والأخلاقية والوجودية والإنسانية.

الشرق ينبغي أن يفهم مقاصده الأصلية وقدراته الثقافية وما هو يملكه حصرا لأن يصدره للناس والعالم، ولعل الشعر العربي أيضا هو من ضمن ما ذكرت من البضاعة الروحية والوجودية والأدبية الشرقية.

الشرق يجب أن يلتفت لتاريخه السوسيوثقافي، ويتقدم بلا حرج ودون التفات للضغط ذو التراتبية الكولونيالية القديمة التي لم نفتك منها بعد، كما أن الغربي وإن حاول بأن يفتك من حداثته بما بعد حداثته إلا أنه ما زال يصارع الوعي الجمعي المادي الاختزالي ورفض كل أشكال الاختلاف الأخرى والتجارب الكونية والفلسفية والإنسانية والدينية التي تخص الإنسان، وما زال عالقا في ذهول القطار البخاري وقدرة الفحم الخلاقة وأول تجارب العلم المخبرية، ينبغي للشرق إذًا، بوعي بتاريخه السوسيوثقافي بأن ينتبه إلى مجالاته القريبة منه ليصدر بضاعة أصيلة، ما زال الغرب ينتظر..الغرب يبكي، فقد حبيبا يصلهُ بالورود دائما، عصى المسيحية وهي شكل واحد من الشرق، والتفت بعد جولاته الكولونيالية الطويلة ليجد زهوره التي تصله عادةً..ولم يجد أحد هذه المرة.

Join