قراءة وعرض“لماذا يجرح الحب” لإيفا إيلوز


إن كتاب "لماذا يجرح الحب"؟ للسوسيولوجية: إيفا إيلوز ، الحائز على جائزة في العلوم الاجتماعية. كان يريد شرح مسألة هامة ابتداءًا من بؤس الحب. أي لماذا نخرج من بين عشرة أشخاص، شخصا واحدا نجحت تجربة الحب عنده بينما تسعة يفشلون، لماذا الحب يملك هذا القدر المهيب من الخيبة وتاريخ الآلام؟ 

ومن ثمّة فإن الكتاب برأيي، لا يعالج هذه المسألة بقدر ما يعالج مسألة خطيرة وهي التي تستحق الجائزة ويُنظر لها على أنها نظرة ثورية. وهي بأن النظر إلى الفشل في العلاقات الرومانتيكية، أو التحليل الحالي لفشل أحدهم في علاقة، دائما ما نفسره اليوم بترسانة التحليل النفسي، ورد أسباب الفشل العاطفي للتاريخ النفسي الطويل والمعقد للفرد الذي يصاحبه منذ الطفولة مما يحتم عليه نوعا معينا من نمط العلاقة المفضية إلى هذا الفشل. 

(وهذا ما شخصيا أتبناه والأكثر يتبناه ممن عنده معرفة بعلم النفس الإكلينيكي) 

ما يحاول الكتاب فعله بجرأة غير عادية، وبطرافة جميلة وغير مسبوقة، ولكن بمنهج علمي كذلك، أن ينكر أن هذا هو السبب الحقيقي للفشل العلاقاتي اليوم وفي السابق، ويريد أن يؤكد على أن الفشل العاطفي والعلاقاتي قادم من الجهة السوسيولوجية وليس السيكولوجية فحسب. أي أن هذا الفشل يتحمل وزره المنظور الاجتماعي وديناميكية العلاقات في هذا العصر والمجتمعات. وتريد أن تثبت الكاتبة أن السلوكيات في الحب، مهما كان يشعر المرء بفردانيتها وخصوصيتها له، إنما هي قادمة من إفراز المجتمع لمفهوم المحبة مسقطةً عليه، فيسلك في المحبة كما تعلم في هذا الأفق العالمي المعاصر . 

أي  كيف تكون المحبة، وكيف يجب أن يسلك فيه، وما المُنتظر منه، وما الصحيح في الحب وما الخاطئ؟ إذًا أي علاقة حب فهي خاضعة بالضرورة للشروط الاجتماعية والثقافية لذلك الفرد. وكانت ترصد الكاتبة باستقراء أدب عصور النهضة أي إبان القرن الخامس والسادس والسابع عشر فما فوق. مراحل التغير والتبدل والفروقات بين الحب أنذاك والحب في العصر الحديث، وترصد من خلال ذلك دلالات نظريتها وشواهدها على أن أبسط وأخص سلوكيات الحب وقيمه تتغير ومحكومة بالأفق الاجتماعي للمحبة والثقافة. 

لا شك أن الكاتبة تشتكي من مآلات زمن الحداثة فيما يخص هذا الموضوع كما اشتكى قدر هائل من فلاسفة ومفكرين ما بعد الحداثة. وتؤكد لنا في كتابها الماتع بأن الحب يمر بأزمة غير مسبوقة وهي بكونه فاقدا لكل السياقات التي تمكنه من الوجود بقوة، ومن الاستمرارية والصلابة والمحافظة. لقد كان الأفق الاجتماعي للمحبة السابق، راعيا للمحبة ومثبتا لها ومعطيا لها الأمان ومزودا الأفراد بأسباب للاستمرار، بينما في الحداثة صار الحب متجردا من كل سياقاته وصار مجرد شعور تقريبا غامض، وكل شيء يعتمد عليه، ولا يمكن في الحداثة انصهار الحبيبين مع بعضهما ولا مشاركة أنفسهما تماما لأن الثقافة الحداثية الحالية تذكرنا دائما بالفردانية في الحب كذلك، وبأنهما يتقابلان كأفراد في الحب لهم مساحات الفردانية الطويلة، مما يصعب إمكانيات الانصهار الممكنة لاستمرارية وقوة في ما يخص الحب. 

وعند الحب في الثقافة الحديثة، ولأنها تعتمد فقط على الصوت الباطنيّ للذات، ومحاولة المرء لاستكشاف حبيبه/حبيبته المناسبة (الشخص المناسب والوحيد) والذي يتحدد لا بمعايير اجتماعية أو عامة أو موضوعية أو ثقافية عامة، وإنما خصيصا وتماما بمعاييرك أنت، وبالتالي يتكون لدينا هاهنا نسبية معيارية عالية،و فقدان المرء للمعيار الذي يقيس به ويعرف "الشخص المناسب" أو من أمارس معه علاقة (حب) مما يجعل ميدان "استكشاف الذات" مطلوبا بشدة وبعمق شديدين لتحصيل إمكانيات إيجاد المعايير الخاصة لمعرفة الشريك. هذه إذًا إشكالية أخرى في الحب الحديث وهي فقدان المرء لمعايير وماهية الحب أساسا ومن هو المناسب في الدخول في علاقة حب.

في السابق كانت المسألة مرتبة والمعايير موجودة مما تضمن مرور علاقة الحب هذه بشيء من الصلابة، فمثلا يبدأ الفارس بمغازلة الفتاة، فتفهم الفتاة فترفع منديلها أو تنزله وإذا رفعته فيترتب على ذلك ترتيب معروف سلفا عند الشخصين كثقافة، وإذا أنزلته فكذلك كأن أنها ليست مهتمة به، وكذا فإن اختيارها أحد الخيارين (أي الإعجاب به أو لا) ليس مبنيّ على الصوت الباطنيّ الخالي من المعايير، وإنما مبنيّ على الشعور الباطنيّ المزود بالمعايير الكثيرة الكامنة في اللاواعي (أي أنه فارس، ومقتدر، وقوي، وهو كذلك من عائلة مناسبة ، وهو ابن فلان الذي نعرفه وأبي يعرفه، وهذا التصاهر جيد للمصلحة العامة، وأولادنا يبدو كذا، وأبي وأمي وجدي سيدعمون هذا الزواج، وهو ليس بسيء ..الخ.هذا الترتيب الطويل من المعايير الاجتماعية والشبكة الاجتماعية الداعمة (الأقارب والأهل والقبيلة والمجتمع..الخ) تعطي صلابة واستمرارية ومبررات لاستكمال الحب أكثر من الحب الناتج عن معايير غامضة وأصالة في الحب الذي لا يدرى بالضبط ما كان غير أنه شعور مندفع وتعلقيّ كبير بغض النظر عن كل السياقات الاجتماعية والموضوعية والثقافية. أي أن هذا الشعور الكبير، يجد نفسه وحيدا في الساحة ، لا يتكئ على أحد ، ولا يسانده أحد، ولا يوضح له شيء أحد. يبقى وحيدا منتصبا مقاوما سقطة الحب وخيبته بقوة شعوره فقط. دون مبررات أخرى تدعم هذا الشعور وتتعهد الحب. لذلك (وهذه إضافة خارج المراجعة للكتاب وتعليقا استنتاجيا ممكنا عليها) الحكيم من إذا أحبّ، حاول أن يجمع مبررات وأسبابا في الخارج وفي الداخل تتعهد وتقوي وتحتوي هذا الحب.

Join