"الفرق الجوهريّ بين الذات القديمة والحديثة في التفلسف حول القيم العليا والخلاصيات."
"أو في الفرق بين أفلاطون وبرتراند راسل كنماذج"
إن ما يفرق بين الذات القديمة والحديثة بأن الأولى إذا تحصّلت على معانٍ في النفس أو وصلت لنخبوية أو تفلسف أو جاءها وحي كانت تعمم هذه التجربة وتفرضها على الآخرين فرضا ثقافيا دعويا.
إن الذات القديمة تشعرُ بأن الحقيقة مهمة في ذاتها، وتشعر أن ذاتها لمست شيئا حقيقيا لها هي، وشيئا عظيما وخلاصيا ونورانيا لها هي، فتشعرُ مباشرةً دون تردد وريبة ومراء بأن هذا الذي تراه صالح للكل، وواجب فرضا ثقافيا للكل، وطريقا سيحسه ويلمسه ويرى حقيقته كل من سار في مثله. أي الذات القديمة لا تنتبه إلا أن ما تدعو إليه من تمارين الذات والتسامي والخلاص والوضعيات هي بأن يكون المرء هو، وأن يسير مساره هو، ثم يحس بما يحس هو نتاجا لذلك، ويتخلص كما تخلص هو من معوقات كانت له هو! أي أن الذات القديمة لا تلتفت إلى سياقها الشخصيّ بتاتا.
أما الذات الحديثة فبوقع كذلك من الفردانية فإنها لما تُحس بكل التجارب المتسامية المدوخة للعقل وتسلك أعظم المسالك لها نورانيةً وتقع على أبهى الأفكار الفلسفية فإنها تُحس بوجل وريبة حول ترصيعه، لا تقدرُ على التبشير بذلك والدعوة إليه وتنصيبه كما فعل أفلاطون مع الفيلسوف فجعل لهم الجنة الحقيقة للفيلسوف والحكم للفيلسوف والسعادة للفيلسوف، وكذا فالأنبياء وتجاربهم من زاوية أخرى.
فانظر إلى الفرق المهول الذي فرّق حتى بشكل عنيف في التفلسف ذاته والتفلسف حول العيش والقيم، ما عاد ثمة فيلسوف أو حتى روحاني يطلق حكما عاما ويحدد تحديدا واضحا الحلول الخلاصية والفلسفية للإنسان. بل حتى الروحانييون الجدد واللاهوتيون والفلاسفة وعلماء النفس والطبيعة والاجتماع كل إجاباتهم وخلاصاتهم وجلة غامضة كما وجل وغموض الذات الحديثة وعمومها المرتاب من اليقين، المحاذر من التحديد الواضح، وقول إجابة بعينها كليّة. رغم أن الذات الحديثة ما زالت هي الإنسان ، وما زالت تقدم داخل نفسها إجابات كلية وحلول نهائية ما لمسائل يقتنع بها العقلُ المفكرُّ بها أنها كذلك، ولكن الذات الحديثة تُحجم عن الإلقاء بذلك خارج دائرة الوسوسة وإلى الفضاء العمومي، فالذات القديمة أكثر انفتاحا على قول شيء بعينه وتحديد حلٍ بسهولة أحيانا لمسائل صعبة وعويصة، وبسط مافي الذهن إلى الواقع والفضاء العمومي، واقتراح وسائل عيش وفلسفة عيش تعد بالكثير جدا وهي محددة تحديدا هذه الوسائل ولا يُخجل من إمكان نقدها . لا ترتعب الذات القديمة من الخطر الابستمولوجي المحدق بأي فكرة في العالم للنقد نتاجا للتعميم أو التحديد، هو يذهب بمنظومته وتسلسل أفكاره لنهايتها بشجاعة جسورة وليس بحماقة متهورة كما يظن بعض القراء الحداثيين السذج. وما هذه الشجاعة إلا لأن الفكرة عنده نتاجا لتسلسل الذات المفكرة ويجوز تعميم فكرة الذات تعميما مطلقا من حيث نتائج مسرحها الذهني الشخصي بغض النظر عن الإمكانية المعرفية الخارجية أو الداخلية للآخرين في التوافق مع هذه الفكرة أو في نقدها. هذه هي العلة العميقة للجسارة في الطرح واقتراح الحلول الواضحة والنهائية في المعرفة والأخلاق والقيم. ونعم كونها نتائج غير مرضية لا تعني أنها صادرة عن عملية ساذجة، بل هي غير ذلك، والمسألة ترتد عميقا إلى الفرق بين ترتيبات الذات القديمة والحديثة من حيث إجراء الفكرة في الذهن والتنقل بين مقدمات الأفكار ونتائجها ومن حيث أيضا الريبة والشك والوجل والامتناع عن قطع الوعود، وإحصاء الأجوبة، وتحديد الحلول.
ونجدُ ذلك جليا في التخلي الكامل للفلسفة التحليلية بقيادة أبيها المُهاب برتراند راسل عند أبناءها عن الفلسفة بشقها الميتافزيقي والأخلاقي والابستمولوجي إلا من حيث التحليل المنطقي للفلسفات والأفكار ونقدها وتفكيكها وترجيحِ الأفضلِ منها ، والبناء حينا.
وأيضا لابد من إيجاد أصلٍ لذلك كما أننا نجدُ أصلا لخلاف معاوية مع علي في خلاف بنو هاشم وبني أمية منذ الأزل، فكذا نريد أن نجد أصلا جعل الذات القديمة الذات القديمة بصفاتها وجعل الذات الحديثة كذلك.
فنجدُ أن الذات القديمة كانت ترى العالم امتدادا لشخصها، فلا غرابة حينئذ من وصف الذات القديمة الذي قدمناه،وذلك جليّ باعتبار منظومات الفكر القديم المسيطرة والراسخة كالجبال مثل: -مركزية الإنسان من حيث هو الكائن الأسمى والأرقى والعاقل والمتفوق الوحيد وأن غيره لا شيء سوى لخدمته وإظهار قدرته .
-اعتبار مبحث الميتافزيقا (ما وراء الطبيعة) هو المبحث الرئيس والأس والمولِّدُ لغيره من المسائل، وسنرى كيف يكون ذلك مؤثرا على تقسيمنا هذا.
-التركيز على التأمل النظري العقليّ الفلسفيّ الإنسانيّ في التوصل لحقائق الأشياء والعالم والنفس.
أما من جانب الذات الحديثة فأصولها العميقة الآتي:
-انتفاء مركزية الإنسان وبأنه الكائن الفريد العميق الأوحد الفردُ دُرّة الزمان وألماسة المكان، المُسيطرُ المهيمنُ الخيرُ الطيِّبُ المفارقُ. الإلهيّ الذات والروح.
فصار الإنسان حيوانا مع دارون كبقية الحيوانات، وتحركه شتى الدوافع السيكولوجية اللاواعية التي هو غير مسؤول عنها مع فرويد، وضرب الأخلاق التقليدية في مقتل مع نيتشه وإمكان المعرفة الكلية الواضحة واليقينية والمطلقة.
-اعتبار الذات منفصلة عن العالم من زاوية المعرفة، فالعالم يُتعرف عليه كما هو، وقد يكون غير متطابق مع تفكيرنا وتصورنا تماما، فيجب الإصغاء للحجرِ لا بالفكرة بأن نفرض على الحجر قوة الفكرِ، بل أن نستنطق الحجر بالأدوات والمنهج العلمي التجريبي، أي أن تسمع ماذا يوسوش لك الحجر من معنى؟ أي استنطاق العالم بدراسة الموضوع تجريبيا، لا التفكير فيه نظريا.
-اعتبار مبحث (الفيزيقا) (الطبيعة) هو المبحث الرئيس الأس والمولد لبقية المسائل والمعارف.
-التركيز على الجانب العلميّ والتجريبي لا النظري الذهني القلدم من تفكير الذات المفكرة.
فبعد هذا التأصيل، يظهر لنا بأن الذات القديمة كانت تمارس شيئا طبيعيا وفقا لمسلمات ثقافتها، كما أن الذات الحديثة كذلك في ضوء ثقافتها الحديثة.
غير أن ما زالت الأسئلة والتطلعات وطريقة التفكير الإطلاقي ذاتها والسعي لها موجودة، ولكن تغير التعامل معها وأساليب إخراجها وإمكان اعتبارها أصلا كقيمة.