في مديح المتوحد وترك الناس
في سوق الحجج على أن العزلة والتوحد وترك الناس هو الأفضل.
لا أُفرّق هاهنا لغاية إثبات المدعى وأخذه لأقصاه بين الوحدة كثيرا والعزلة. فقد يكون المرء معتزلا الناس ولكنه ليس وحيدا أو يشعر بالوحدة. ولكننا نثبت في هذا النص التوحد والاعتزال وأما الوحدة بما هي شعور سيكولوجي قد تكون مصاحبة وقد لا تكون وعلى كلا التقديرين نرى لخدمة غرض الاحتجاج في هذا النص أن التوحد هو الأفضل بأي تقدير كان.
فلما كان المرء مستغلقا على ذاته، وما انفتاحه على الآخر سوى جسر بين أفقهِ وأفقهُ، كان منذ البدء أي التقاء هو يبدأ من انفصال، أي لا يكون الاتصال إلا بعد انفصال الذوات لتتقابل في أفق ما.
وإلا فما معنى التقابل ؟
الانفصال حدث جوهري إذًا حتى نتقابل على شيء ما.
ولكن أريد الذهاب لأبعد من هذا الملمح الفلسفيّ.
أريد أن أغادر الميتافزيقا الآن وأقول بأن الآخر سيبقى مستلغزا من وجه أخلاقيّ وعمليّ، لا يُمكن للشخص أن يطمأن وأن يعرف كيف تباشر تلك الكينونة رؤاها وتفاعلها مع شخصك ورؤيتك، والطريف أنك قد ترسم صورة عن إنسان ويتضح أنك أخطأت وأحسنت الظن في تأويله (وهذا كثيرا ما يحدث) والفاجع أن ذاته هي ذاته، لكنك غابت عنك لقصور أدوات تكشّفات الآخر، ولهوى في نفسك له، أو غفلة منك عنه، أو لحاجة طول المعشر لظهور هذه الصفات للشاهد العيان.
ولما كان هذا بتجربة جميع البشر فبلغة ابستمولوجية نقول أن الحس الاجتماعي يخطئ، وقدرات القبض على كنه الآخر دونها جبال من الصعوبات تُقطع.
وعليه فإن الآخر أصلا قد لا يكون هو الآخر الذي نظنه، وأخشى أن يكون هذا في معظم الأحيان دونما أن نحس، ولكن أحيانا تأويلنا يكون نافعا ومرة لا، وأخشى أن يكون هذا الهدوء والانسجام هو لعدم وجود المطّبة بعد لا أن الشخص مفهوم على وجه الحقيقة، فالأمر ليس من حيث موضوعيته أو مطابقته للموضوع الذي هو "الآخر"
فإذا كان مع هيدغر ثمة تأويل للعالم، فإن الآخر هو دائما تأويل، وعندما يكون تأويلا يُصبح بوجه ما (لا يُعوّل عليه) كثيرا بلغة صوفية بالنسبة لما كان له من التعويل.
وذلك يعني أنك مهما حاولت أن تتقابل مع الآخر ستجد فجوات ونقائص في مناطق معينة وفي أمور، ولذلك احتاج الإنسان لكثير من البشر ليحظى من كل صديق وشخص بجانب معين من نفسه يلقيه على ذاك الآخر وليعبّر عن كثير مما في نفسه ويتشاركه مما لا يُمكن اجتماعه في صدر شخص واحد .
أدبيات العزلة تشي لنا بشيء غريب..فنيتشه اعتزل الناس وذهب إلى الغابات.
وشوبنهاور كان مع كلبه في اخر حياته وحيدا لا أحد معه.
وهذا ما فعله أبو ذر الغفاريّ فاعتزل الناس حتى مات ودُفن في حصيره وعزلته وقد دفنته زوجته لا يدري به أحد.
وقد كان ذاك حال أبو العلاء المعري مع خادمه لا يقابل أحدا وفي قرية صغيرة، والحق أن هذا حال كثير من الرموز العظيمة.
أظن أنه من تسطيح المسائل أن نقول بأنهم كانوا معلولين اجتماعيا ، بل لا يمكنني كثيرا تصور أن البروفيسور الشاب نيتشه الذي كان يدرس عشرات الطلاب لما كان بروفيسورا في الجامعة وصديق فاغنر الموسيقار والمسرحي العزيز ومجموعة من المثقفين الذين يشبهونه، أن كل هذه العلاقات لا تؤثر على سوء ظن بعضنا حيال كونه معلولا اجتماعيا من حيث أنها علة عزلته فحسب، ونعم لابد أن يكون فيه غرابة اجتماعية ولكن ليس لأن لا يصلح للاجتماع البشريّ فقد كان الرجل حيويا في مؤسسات المجتمع وبعض شخوصه الكبار، وهذا بالطبع حال شوبنهاور وأكثر حتى من نيتشه.
أظن بأنه أقرب للقول بأنهم لم ينقذوه من العزلة التي أخذها على عاتقه وقد كتب فيها هكذا تكلم زرادشت وغيرها من الكتب.
وكذا في حالة شوبنهاور وأبو العلاء المعري وأبي ذر الغفاري وغيرهم فقد اختاروا العزلة اختيارا ينم عن رؤيتهم وتجريبهم لسوء البشر والزمان.
فهل البشر سيئون على مستوى العلاقات الاجتماعية بمنظار عميق؟
ربما الحكيم كما هؤلاء الفلاسفة والأدباء هو من استطاع العزلة والتوحد والزهد في العالم برمته والالتفات إلى مكامن عدم التقابل مع الآخر والاستراحة منه والاكتفاء بالذات بما هي مصدر مألوف وغنيّ ومريح.
وهل يفوتنا تعبير القرآن الخطير :
"وكلهم آتيه يوم القيامة فردا؟"
وعندما يذكر: "يوم يفر المرء من أخيه*وصاحبته وبنيه*"
وهل هذا غير دلالة على أن الذات هي الذات في نهاية المطاف؟ وأن كل تقابلات الإنسان مهما خدعته بأنه يلتقي بشدة كالأم والأب والصاحب/ة والبنين والأخ، فرغم أنه يبدو لنا أننا نلتقي بشدة، غير أننا في مواقف مهمة كهذه وخطيرة (كالقيامة مثلا) نكتشف أن أي شيء غير الذات لا يحضر، هذه لفتة عميقة إلى تبدد سراب الآخر تحت وطأة كشّاف وجوديّ من ضمن كشّافات أخرى اسمه القيامة. القيامة تصوير درامي وكشّاف جيد لحقيقة أنه ليس ثمة إلا ذوات، وفي كل موقف حقيقي سيظهر الحقيقي المفرط في حقيقيته فقط، وحينذاك سيكون أنا وفقط أنا، وسيكون أنت وفقط أنت بما أنت أنت.
الذات لها وجود أصيل كما يبدو غير أن الآخر للذات يبدو أنه اعتباري مهما كان وجود الآخر في أعلى درجات الوضوح في السلم الاعتباري حتى لم نعد نستطيع تميّيز اعتباريته وظننا أنه أصيل كما نحن لأنفسنا وأننا نتقابل معه كوجود أصيل يقابل وجودا وذاتا أصيلة.
ربما يكون هناك صلة بين التراث الصوفي والغنوصي حول الحلولية من حيث قولهم أني أنا الله والله أنا وبين كون ذلك هو من أقصى الحكمة لو تم تطبيقه والنظر إليه في العلاقات الاجتماعية أيضا، ( والحلولية يفعلون ذلك) لا يوجد سوى واحد، بلغة اسبينوزية.
لا وجود للآخر. ذلك هو شعار كل اعتزالي متوحّد.
قد يكون صاحب أدب التوحّد فيلسوفا عميقا يرمي لنقطة فلسفية خطيرة، وهي أننا لا نستطيع أن نكون إلا نحن، وما كل شيء عدانا إلا سراب يحاول أن يلتقي بنا فيبهجنا أحايينا ويكون عظيما جميلا ويحزننا أحايينا ولا نقدر على كنهه أحايين كثيرة.
فلعله ذلك "المتوحد" وهذه لفظة طريفة نحتها ابن باجة في "تدبير المتوحد" وقد كنت أبحث في رأسي مطولا للتعبير عن ذلك المعتزل عن الناس بلفظة واحدة مناسبة ووجدتها عنده، فلعل المتوحد هو ذلك الذي أدرك بعمق أننا وإن كنا نتقابل مع الآخر فإنهم لا يقابلوننا، وأنهم استيقظوا على ذلك أثناء مشاويرهم في التأمل في الحياة وكل أمر يدور فكرهم فيه.
وبالتالي فإن اللقاء بالآخر تحفه إمكانيات لا حصر لها في أن لا نفهم بعضنا وأن لا نتقابل على وجه عميق، وهو ربما الغالب. لذلك كان الصديق أو الحبيب المقرب جدا عملة نادرة وتحرص عليه وتقربه لأنه كان من النادرين القادرين على ردم شيء من الفجوة العظيمة بين ذاتك والآخر، بأن "تفهموا بعضكم البعض" و"نحن قريبين من بعضنا" وإن كانت لا تزال ثمة فجوات ولكن نجاحه بالنسبة للفجوة العظيمة مع الآخر هو لوحده مُشعر بالاتصال الكبير.
فالآخر مُشكلته أنه آخر.
ومنذ أن يصير "آخرا" فإنه قد ضُرب جدار سميك بينك وبينه وصار مادة هورمنيوطيقية (تأويلية).
ومنذُ أن يصير مادة هرمونيطيقية فإنهُ يخسرُ إمكان مباشرته في التجربة والخبرة الذاتية والمحسوس الذاتي مما يستتبع أنه لذلك (في هذا التأويل) أن الآخر لا يجعل الذات "تُحس" بل يوحي لها (ايحاء) بأنه ثمة خبرة مباشرة بين الاثنين ولكنه محض تواصل إنساني برطانة ما تكابد مشاق التعبير فتعيد السياق مرة ومرتين وإيضاح المقصود والنوايا وهذا لا تخلوا منه جلسة ولو كان أعز رفاقك.
ولكن قد يُقال لما لا تكون الذات كذلك (أي مادة تأويلية أو هرمنيوطيقية؟)
والهرمنيوطيقي يستحق التفكير والتأويل ولكنه ليس كما الخبرة المعاشة المحسوسة لاختبار الذات في الزمان وفي الحياة اليومية وهو ما يحدث بين الذات ونفسها وأما دراسة النفس للنفس فنعم ستكون هرمنيوطيقية أيضا. ولكن هذان قسمان مختلفان داخل الذات.
فلذلك كل تقابل مع الآخر ليس لأنه ثمة لقاء عميق وحقيقي، وإنما لأنه لذيذ ومبهج.
وكل فرحة بفهم وتناغم دقيق، هو لأنه حدث نادر وقليل وعظيم مقارنة بالمعتاد من عدم التناغم والفهم.
يبدو بأن هؤلاء "الوحدويّون" أو "المتوحدون" أدركوا بعد اجتماعاتهم وتقابلهم مع الآخر سقوطه عن أن يكون شيئا قادرا على مقابلة الذات بالفعل، كأنهم انتبهوا لقصوره، وفهموا أنه غير قادر على احتمال كينونتهم في أقصاها، ذاتهم متفلتة مبدعة عجيبة ذات نمط مميز، ولكن لا صلة لذلك بالعلّة والمرض الاجتماعي والنفسي في سياقي هذا، وإنما هو حاجتهم للفهم والتفهم والاحتواء، وذاك ما فقدوه تماما، كيف يجد عظيما مثلهم عظيما آخرا يستطيع بالفعل يدرك جوانب أنفسهم وخواطرهم وسكناتهم وأفكارهم؟ فاغنر وحده كان كذلك لنيتشه، وقد اعترف لنيتشه بذكاءه وعبقريته وتأليفه، ولكن دب في النهاية بينهما الخلاف فضاع الرجل الوحيد الذي كان ربما يفهمه.
علينا أن نفهم بأنه لإدراك فردانيتك وأصلا ما تكون عليه ذاتك من أمور وأفكار وميول وانتظارات هو بحد ذاته بصيرة للنفس على نفسها توجب نوع ضرورة من تميز في الشخصية والقدرات حتى يستمد المرء هذا الاستبصار، وإذا أبصر المرء ذاته فهمَ أنها فردانية، وإذا اكتشف فردانيته صار يرى من في العالم بأنهم لا يستطيعون التقابل مع فردانيته هذه فيدرك أن الفردانية بعد ذلك من حيث هي مقولة لم تُخلق للتقابل بالشكل الذي يريده هو، وكأن المرء حينئذ يكتشف الاستحالة الخفيّة الغير ظاهرة في حقيقة مقابلة الذات للآخر.
وعندما أقول مقولة فأنا لا أعني أنها كلمة، وإنما الفعل نفسه والمفهوم نفسه فلسفيا لم يُعَدّ للتقابل مع الآخر إلا بوصف الآخر فردا يحتاج لحقوق تحميه من بطشك.
أدبيات اعتزال الناس وموضوع العزلة والوحدة بحاجة لدرس، وهذا النص مجرد دردشة حول ما يدور في الخاطر من هذا الموضوع، حول محاولة البرهنة على فكرة تزورني من حين لآخر وإن كان عكسها كذلك بحججها (وهو أقرب لي) يمر بي دائما بين حين وآخر.