الحجج المليحة على ذم الأمطار السحيحة
زعم القوم أن المطر عظيم جميل مبهج، ويقولون ألا ترى بأن الناس يخرجون حفاةً على إثره يتضاحك بعضهم لبعض استبشارا به معرضين أنفسهم لسخاء سحاباته ؟ وأن الناس جميعا تستبشر به خيرا وأن نبيّنا كان إذا حضر المطر عرّض نفسه واستبشر به خيرا؟ وهو يسقي الأرض ويحيينا ويحيي الدنيا وله منافع عديدة؟ فنقول: كون الأمر نافع للأرض وللإنسان خاصةً وفيه خير عظيم لمصلحة وجوده وبقاءه وتقليل معاناته فإنه لا يعني ذلك بالضرورة أن يُحبّ وأن يُرى كراهية بغض أمره وأثره، وآية ذلك الدواء والعشبُ وروث البهائم لسماد الأرض وجيف الأرض للنفط الأسود وسائر أنواع المنافع المكروهة في الأثر المستفادة تطبيقا.
فثبت أن عظم النفع لا يتنافى مع عدم محبة أمره وأثره ووقعه النافع .
وأما في كون البشر يستبشرون فذاك في كثير من الأحايين خصوصا عند العرب القدامى لقلة الأمططار وشحّ الغذاء وجدب الأرض فلما كان المطر وإن أفسد خيامهم وعطّل ملابسهم وأوقاتهم إلا أنه الضامن للنجاة والغيثُ العظيم فكان ذلك.
غير أن اليوم في القرن الواحد والعشرين لا يفرق مع مواطن المدينة العادي أمر المطر في هذا الإسمنت،ولا يكون فيصلا في نجاته ولا أمرا يتخذ منه مباشرة تدبير أمره ودنياه ومعاشه ومستقبله، وكذلك فإن الناس لا يخرجون في الخارج في المعظم للمطر كما نفعل،وذلك لقلّة المطر،وكل ظاهرة نادرة مرتقبة.
وأما استبشار ما نُقل عن النبيّ وتعريض نفسه للمطر فذاك كما كراهيته للثوم والضب، فهل لعاقل بأن يقول نقص وأخطأ رجل عشق الثوم وتفنن في أكل الضب؟فكذا على القياس كيف يُذمّ على قواعدكم من كرهَ أمرا أحبه النبيّ وهو لا نص من الشارع عليه إنما لطبع في مقام النبيّ الدنيوي؟
وأما بعد الفراغ من الرد على دعواهم على كارهي المطر طَبْعًا كأمثالنا نقول على ذمه حجج مِلاح نذكرها:
الحجة الأولى: يُفسد المطر الطُرق ويعكّر مواعيد اليوم ويُلغي كل نشاطٍ خارجيّ،ويبلل كل ملبس ويُغرق كل مركبة وسيّارة بألوان الزخات حتى تصير بعدها جعداء شمطاء لا تسرّ الناظرين.
الحجة الثانية: ألا ترى بأن السماء إذا جاء المطر ساء أمرها؟ وقطّبت حاجبيها؟ وأشفقت من أمرها الدنيا، وصار كما الأب الذي بُشّر بالأنثى فكانت تعابيره مسودّة وهو كظيم؟ فكان ذلك من عظيم أسباب الإكتئاب، كدر الجو عن صفوه وعن غيومه وعن نور شمسه،وإن كان غير ذلك فما الفرق بين النور والظلام؟ والصحو والكدر؟ والليل والنهار؟ ما لكم كيف تحكمون؟! فكان جوا أليق به البعث على الحزن لا الفرح، وإن فرح به بعض الناس فقد عددنا أسباب ذلك سابقا بأنه لغيره لا له، وأعذاره اليوم في عصرنا أقل كثيرا.
الحجّة الثالثة: المطرُ ليس صديقا عظيم الشأن ولا رحيما معطاءًا كما يُظن، فهو لا يزن مقدار سقوطه ولا يكترث بأمر مدّته، فكم من سيلٍ جرف البشر عبر كل سنة وسنة حول العالم، فضلا عن التاريخ الإنساني، وكم من يتيم وكم من فقيد، فضلا عن ثكالى زملاءنا الكائنات وإن كان أمرهم لا يعني أغلبكم.
فانظر رحمك الله كم جرف من مدن وبشر وخرّب من أودية النحل والنمل وعطّل سير الدواب فكان ما كان، وبالغ في إرضاع الشجر حتى قطع عنه الأنفاس، وأودى بأبناءه حتى أكثر إغراقهم في حنانه فقتلهم. فذاك أيضّا من فعل المطر وعليك عند الحق وزنه بالقسطاس.
الحجّة الرابعة: كيف إذا اشتدّ المطر بالغت في لباس الثقيل الكئيب من الثياب؟ حتى إذا زاد زدتّ، وهل يتقي العاشق معشوقه؟ وهل يتدرّع المرء عند صديقه؟ولمّا كان هذا العُرف عند المشي بالمطر رغم ما ذُكرَ من التعرّض، وإظهار المظلّات فوق الرؤوس،عسى أن تكون سقفا وحمى!كان ذلك دلالة أنه يُتقى!
وأنه محبوب لحاجة وغرض ومنفعة فحسب لا لذاته!
الحجّة الخامسة: وهي في الثياب واللباس أيضّا، يعطّل المطر جميل اللباس، وأجود الأحذية، فكيف يكون خيّرا من كان يمنع عن الجميل ويضطرّك لنوع معين من اللباس؟ ويمنع الصدقة التي تجربها عند التجّمل على عباد الله، وكسب أثر ذلك وحسنه في ثقافتنا.
والحجة السادسة: والمطر سبب عظيم في تعطّل الرؤية، وصعوبات الملاحة جوا وبحرا وبرا وكثرة حوادث السير،والانشغال بمساحات السيارات، وأعظم منه على الدراجات النارية والهوائية في البلاد التي يكثر فيها ذلك،فظهر أن ذلك من عظيم أسباب الكآبة والأحزان وتعطل المصالح وقطع اليوم والأرزاق كما ترى.
الحجة السابعة: فإن كل صاحب مشروع الذي يُسمى "فود ترك" بسيط المدخول مُعتمد على الهواء الطلق فإن المطر يقتل يوم رزقه ويعطّل أدواته وأثاثه وكراسيه،ويُفسد كهربائه وغير ذلك، غير أن كل جلسةٍ خارجيّة تفسد إلا عند المعاجلة بالتدبير. وكذا تعطّل الأجهزة وخطر الصواعق الفيزيائية والكهربائية.
الحجة الثامنة: وليس أدل في الطبيعة من صعوبة المطر من احتماء معظم الحيوانات عنها، وهرع الإنسان إلى مسكن ومأوى وسقف، فانظر إلى الأطفال كيف فسدت لعبتهم في الحدائق فعادوا، والناسُ في ألعابهم ونشاطاتهم وخططهم كيف نكصت،فهل يغير ويبدل من كان حاله البهجة لذاته أم يعين؟!
الحجة التاسعة: أن صاحب الزينة في وجهه والذاهب لعرس أو مناسبة هامة جدا لا توجد إلا في هذا اليوم، فقد فسد وجه المرأة إثر المطر، وإن لم يفيد فقد احتاجت لجهد عظيم لحمايته، والرجل الذي بالغ في تحسين شماغه وسكب غترته وتحسين رائحة عطره وحذاءه فيدخل كما المشرّد فلا هي بالمكويّة ولا أن حذاءه كما الحديد بل طينيّ أمره كأمر حذاء مهترئ بغيض يجلبُ عار آثاره على المكان النظيف، وغير ذلك مما تعلمون.
الحجة العاشرة: ما جاء المطرُ إلا وفسدت البيوت والمحلات وبطل كل تنظيف للأرضية وصار الأمرُِ كما الغابات وتتذكر الحديث الأثر يدل على المسير والبعرة تدل على البعير..
فكان في ذلك عظيم إجهاد للعمال وغيرهم ومن يعمل في البيوت من ربّات المنزل والأمهات ومن الرجال والنساء من العزّاب وغير ذلك.
الحجّة الحادية عشرة:وهي بأن البناء يتصدع ويتشقق إثر المطر وكم من سوق عظيم الشأن رأيناه يخرّ لذلك، وكم من منزل خصوصا بيت الفقير المعدم فإذا به زاد البيت إهلاكا!
وفي الجعبة مزيد حجج، وفي التأمل لو طال نفس الخواطر فيّ وفيكم لجاء الواحد منا بثلاثين حجّة فمئة، فالمطرُ في العلل الناتجة عنه ظاهر الأمر، وكثير المُشكلات، وصاحب النظارات يشقى في المطر كما تعلمون وهو ضعيف البصر معتمد على حاسة الهداية الأساسية في الدنيا.
فكان هذا منتهى الرسالة، وخاتمة المقالة، فلا يبتئس المرء في بغض المطر، ولا يغيّر امرؤ طبعه حرجا وخجلا، وليعلم أنه إن شاء الله على ضوء من الحجة وبعد النظر والعقل، وأن لكل ظرف شأنه،ولكل منطقة وزمان مقعده من السياق والأمر، وأن تعداد ذموم المطر كثيرة،ودفع الإحراجات في طبع بغضه عديدة.