بين البابا والإمام: نظرة على تاريخ المُخجل أو الماجن في الأُفق الإبراهيمي.
في لحظة ما قد يتوقف المرء عند فكرة الحياء، ويستحضر تلك المقولات الشعبية والنصوصية التي ترفع الحرج عن الحديث في موضوعات حرجة. فيقال: لا حياء في الدين، ولا حياء في العلم. والحقيقة أن أهل الأدب ومتذوقيه في ثقافة العرب يقولون أيضا لا حياء في الأدب.
ماذا بقي إذن من مساحات ما يُستحى منه إذا كان ثمَّة لا حياء في كل هذا؟ هل هو فقط التداول الاجتماعي العموميّ له إذن؟ وأين، والحال كذلك، طُمس المُحرج من نصوص التراث العربي، بما في ذلك من كلام على الجنس والمجون، وما يتضمنه هذا التراث من رسائل وطرائف ونوادر وأخبار قد تصنّف بأنها ذات حساسية؟ ولماذا سمح بغير المسموح به في قنوات عديدة؟
يوليوس ومايكل أنجلو
في الفاتيكان، تحديدا في كنيسة "سيستين" الشهيرة، طلب البابا يوليوس الثاني (1443-1513 - وهذا زمان السيوطي نفسه، فقد كانا متعاصرين دون التقاء أو أي شكل من الاتصال حسبما نعلم) من الفنان الشهير مايكل أنجلو أن يرسم سقف هذه الكنيسة العظيمة المُوقرة، فكان من مايكل أنجلو أن انبرى لهذه المهمة المُقدسة، ولهذا الطلب الكبير والعمل الشاق والتحدي الهائل، فقام بالفعل برسم واحدة من أهم أعماله، جزء منه فحسب كان بالكنيسة، وهو "خلق آدم" The Creation of Adam. وأيضا عمله: يوم القيامة أو الحساب، أو The last judgement.
وتصاوير مايكل أنجلو هذه مليئة بالعُري، بل إنه مُتخصص في التعرية، في المُحرَجْ منه بالضبط. ولا تخطئ عينك عند التفافك على زاوية الكنيسة إذ ترى صورة لثدي امرأة عارية، في هذا المُقدّس.
لقد كان البابا يوليوس الثاني لا يماري ولا يرف له جفن في أن يطلب خصيصا أكثر من هو منخرط في العُريّ والتصاوير الخادشة للقيم المسيحية والإبراهيمية على وجه العموم، بأن يزين سقف هذه الكنيسة في الفاتيكان المُقدسة وجدرانها، نعم كان يوليوس الثاني مشهورا بمحبته ودعمه للفنون وأهل الفن، ومهم استذكارنا هنا أن كل تلك الرسومات واللوحات والأعمال القادمة من الإغريق والرومان كان يُسمح بها بين جماعات من القساوسة والباباوات، وذلك يعني أن أهل الدين في كثير منهم لم يكونوا يمانعون ذلك في عُرف بينهم، إذ كانوا يرون أن هذه فنون على عريها، قيّمة فنيا، وأن معناها لا يفهمه العامة ويجب حجبه عنهم، فالنخب الثقافية والدينية تفهم فيما بينها قيمة هذا الفني، وترى ما وراء العُريّ الفنّ، لا الغريزة، وتفهم توظيفات الجنس، وترى سياقاته الواقعية وخُيلاء التعبير ولسان الفنان، وحكاية مقتضى القصة والحال في جنبات كل شبر من مناطق المُحرج منه في اللوحة. فيستحيل العمل الفني أنذاك ترجمانا لمعانيَ عديدة، لقد كان كثير من أهل الكنيسة إذن جمهورا للفن.
إن ما فعله البابا يوليوس الثاني من تطبيق لهذا الاختصاص والنخبوية، والقبول بمثل هذا اللون من الفنون رغم معارضته الظاهرية لقيم المؤمنين، نجده أيضا، وللمفارقة، جليا في الثقافة الإسلامية عبر رموز كبار في المشهد الديني، ولكن في سياق آخر. في الثقافة الغربية لا حياء في الفن في أكثر تاريخهم الثقافي. أما العربي لمّا كان الفن عنده ليس بمستساغ تحت وطأة نصوص وريبة دينية من الفنون والتصاوير، وانصراف العربي منذ ما قبل الإسلام عن الفنون بمعناها المعروف، فقد كان الأدب هو ذاك المرتع عند العربي.
سيل هائل
وحينها يصير كل شيء جليا، فثقافتنا تغصّ بتصوير كل ما هو مُخجل ومُحرج منه في القيم الاجتماعية في سيل هائل من المؤلفات التي تُباع في أسواق الورّاقين، وكأنها هي الوجه الآخر لتلك اللوحات والتماثيل والرسومات.
ثمة في التراث العربي من تخصصوا في هذا المجال، ومنهم القاضي المالكي أحمد التيفشاني وهو عالم معادن أيضا (ت651 هـ)، والإمام المُحدّث جلال الدين السيوطي(1445م/849 هـ-911هـ/1505م) ونجم الدين القزويني (ت675هـ)في كتابه "جوامع اللذة"، مرورا بالأغاني للأصفهاني وكتب ورسائل للجاحظ وبقية كتب الأدب الكثيرة التي تجمع الكثير من هذا اللون وبدقة وبتحري وباستفاضة وتفصيل قد يستغرق ربع الكتاب أو أكثر.
هؤلاء وجدوا عنصرا فنيا بالفعل في نقل هذا العالم الحسّي والاستفاضة في ذلك، إذ وجدوا في ذلك حدثا استطيقيا وذو تنوّع وتفرّع. كما الغربيين الذين تحدثنا عنهم.
فمثلا نجد القاضي وعالم المعادن أحمد التيفشاني المالكي له:
١-نُزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب. لاحظ الترنم الظاهر من العنوان، والأهمية التي يطرح الكتاب فيها نفسه، والجرس الذي يحوم حول هالة العنوان، وفيه أخبار وطرف صادمة جدا للقارئ العربي في هذا العصر الذي لم تقع عينه على مؤلف عربي في هذه المجالات.
٢-قادمة الجناح في آداب النكاح
كان الإمام جلال الدين السيوطي المُحدث المفسر الشهير له ولع عجيب واهتمام يستحق الالتفات إليه بخصوص مسألة المرأة وتصاوير الأجساد وأسماء الأعضاء وكل محتوى الجنس وما يتعلق به من أخبار وظُرف وتاريخ وفقه. وله في الباب أكثر من 14 مؤلفا! فيه من الجرأة بالنسبة إلى عصرنا ما تتأخر عنه كتابات الغرب والشرق مجتمعة في العصر الحديث.
فكان له من ذلك:
١-نواضر الأيك في معرفة النيك
٢-اليواقيت الثمينة في معرفة صفات السمينة
٣-رشف الزلال من السحر الحلال
٤-الوشاح في معرفة النكاح
٤-نزهة العمر في التفضيل بين البيض والسمر. وغير ذلك.
وكذا ثمّة كتاب مشهور للقزويني اسمه: جوامع اللذة وقد اعتمد عليه بعده خلق كثير منهم السيوطي نفسه.
لغز السيوطي
هذا في بعض المؤلفات التي كلها منصرفة لهذا الشأن موضوعا وعنوانا، ناهيك عن ما هو مبسوط بسطا في جنبات ووسط وفوق وتحت كتاب الأغاني للأصفهاني الموسوعة الأدبية الكبيرة للثقافة العربية أو ما نجده عند الجاحظ في كتاب مفاخرة الجواري والغلمان، أو كتاب الحيوان أو غيره من كتب الأدب أيضا عنده، وما نجده في مختلف زوايا الأدب العربي. لكن انشغال السيوطي الأنموذجي هذا يلفت الانتباه على نحو خاص. فالسيوطي رجل يُعرف عنه الورع والتقوى وأنه من أهل الحديث وليس معتزليا ذا نزعة عقلية حتى، وهو صاحب "الإتقان في علوم القرآن" من أعظم ما أُلف في علوم القرآن، وهو صاحب تصانيف كثيرة في علوم الحديث على منهج لا يخلو من التأسلف، كيف طاب له إذن كل هذا التأليف والانشغال والاستطراد المُسرف الذي لم يُسبق في عدد تأليفه تقريبا في موضوعات كالنساء وأجسادهن والغلمان وأحوالهم وصفاتهم وأخبارهم وظُرفهم وقصصهم والشعر حولهم والنكات؟ بل ليس ذلك فحسب، وصل الأمر به إلى حس بحثي في هذه الموضوعات، فيعطي ملاحظات سيكولوجية وسوسيولوجية، تنم عن استطلاع وفضول معرفيّ عنده بخصوص ظاهرة الجنس وغيرها. إن السيوطي في هذه المؤلفات يترك نفسه في بُستان الشافعي الذي يُتبسط فيه، ويلقي عن كاهله دور الإمام الرصين المُحتشم الواعظ الزاجر، وينطلق بعمامة التنزه المعرفيّ فحسب، التي بقيت تلازمه، في استكشاف هذه الظاهرة، وإيجاد مساحة هادئة لمثل هذا اللون من البحث.
حتى في كتابه الجاد تاريخ الخلفاء، لا نراه يكف عن أن يركز على علاقات الخلفاء بغلمانهم ونسائهم، وتنبيه القارئ ليس إلى طبيعة التاريخ السياسي للمسلمين متمثلين حينذاك في خلفائهم فحسب، بل أيضا الحدوس النفسية والجنسية والاجتماعية لأولئك الرموز.
ولعلّ السيوطي هو من الناقلين الندرة والسبب الحقيقي في اشتهار معلومة لا نعرف مدى صحتها عن أن الخليفة المتوكل العباسي كان له 4000 جارية وطأهن جميعا.
إذن في ماذا يتفق البابا يوليوس الثاني وجلال الدين السيوطي؟
يتفقان على السماح بالمُخجل أو المُحرج منه هذا بأن يخرج بين الخاصة فحسب، وذلك لأن القوم انتبهوا إلى إنسانية هذه السياقات وواقعيتها، وتدخلها المُلحّ وغير القابل لكبته وتبكيته لشدة صفاقة ظهوره وحضوره وتدخله وإلحاحه على الإنسان وحياته ويومياته وطبيعته.
وأنه إنساني حدّ تداخله مع الفنون والآداب والتاريخ والسياسة والطُرفة والعلم والدين وكل شيء تقريبا. فكما أسلفنا القول، يبدو أن الثقافة بنصوصها وبأمثلتها الشعبية أدركت هذا، لا حياء في الدين ولا في العلم ولا في الأدب..وثمة سياقات أخرى أيضا، كأنّ الأمثال نفسها علمت بعدم إمكان العزل، وكأنها هرعت إلى استدراك الموضوع وعمل كل الاستثناءات الممكنة للقواعد التي وضعتها.
تنظيم الخطاب
ثمّة هنا تنظيم للخطاب الجنسي وتبدياته، وهذا معناه أنه لا يُمكن عزله. أي أننا أمام نوع معين من سياسة الخطاب المتعلق بالجنس، إذ أنه داخل بالفعل في يومياتنا، ولكن اختارت المجتمعات الإبراهيمية وهي أكثر شعوب العالم تسيير هذا الموضوع المُلحّ وفق سياقات وقنوات يُلمس فيها هذا المجال ويُستكشف تحت ظل هذه العناوين العريضة.
لقد انتبه خاصة الغرب والشرق حتى في وسط أُفق قيم القرون الوسطى المتشابهة بين القطبين، أن المُخجل أو المُحرَجْ منه هو منطقة يجب ويمكن الحديث عنها ولا يمكن عزلها، فكلاهما نظر للمسائل هذه على نحو علمانيّ لافت للنظر في ذلك الزمان، بمعنى أن أهل ذلك الزمان من الثقافتين أباحوا واستسمحوا مساحة المُخجل والمُحتشم منه ليكون مساحة هادئة غير محاكمة ولا مُطاردة بأي صك أخلاقي وسط استطلاع وإظهار وتوظيف للظاهرة بما هي دونما قيمة معينة، فإن لم يكن ذلك علمنة للمُخجل والجنس والعري والمُحرج منه فماذا يكون؟ وإن لم يكن هذا انقلاب لا واع ونخبويّ على القيم ذاتها الموجودة في النسق التقليدي الديني والاجتماعي حولهم بفعل فضول فني ومعرفي وأدبي وصعود ما في سلالم ذلك فماذا يكون؟
لقد اقترح الدكتور الباحث السعودي عبد الله بن سليم الرشيد الذي نشكره خير الجزاء على البحث في هذه المنطقة المهجورة من التراث العربي في كتابه الضخم المكون من 600 صفحة وأكثر (تدوين المجون) والذي يرصد فيه عشرات ومئات المؤلفات التراثية، أن لعله كان سبب التوسع والأريحية في نقل الماجن جدا وكتابته وحتى في الماجن السمج الساقط الذي لا فائدة فيه، الذي هو حديث طرقات لا يُدوّن حتى في الكتب، هو أن هذه الكتب كان يُظن أنها ستقع للخاصة وبين الخاصة من مؤلفيها، وهذا تحليل وجيه، وهو يدعم صلب مقالتنا ومقصودها.
لكن الخواص لم يكونوا في دائرة مغلقة جدا في هذا السياق، مفهوم الخواص الذي عندهم كما يبدو أكثر اتساعا، ولم يكونوا يمانعون انتشارها كما يبدو في أسواق البيع.
فلعبة الخواص هي لعبة القرون الوسطى شرقا وغربا، مسلمين ومسيحيين، ولكن كان أصلا حكر هذه الأمور على الخواص له دلالة خطيرة في ظني، إذ أنه يدل على علمنة مُسبقة لهذه السياقات في زمان لا علمانيّ، وهو فصل الجنس والفن عن القيم الأخلاقية والمحددات الاجتماعية في أُفق الحدث الجمالي، وأن هذا إدراك مبكر وتأويل ما لهذه السياقات، والقبول والاشتغال والفسح هو دلالة على إعادة مراجعة ومناقشة القيمة الأخلاقية لهذا المُخجل أو المُحرج منه، وفي ذلك دلالة خطيرة وعجيبة بلا شك.
اعتراضات
قد يعترضُ أحدهم فيقول: لمّا كانت هذه الكتب مكتوبة للخواص والملوك والوزراء كما هو معتاد في كثير من مؤلفات رموز هذه الأمة، فكيف يدل ذلك على ما تقول من اختراق لحساسية هذه المواضيع، وأنه علمنة مسبقة؟ اليوم في عصر الطباعة ولما صار الأمر عموميا لا يُمكن للسيوطي ذاته كتابة ما كتب ولن يفعله فلا مكان للخصوصية حينئذ، فدل أن الخصوصية الأكيدة اليقينية هي التي مكنّت من ظهور هذه المؤلفات لا تسامح المؤلفين مع ما فيها، كذا مع سياق طلبات الوزراء والخلفاء التي تتراوح في دوافعها.
ويمكن دفع هذا الافتراض بنقطتين:
الأولى: صحيح أن بعض المؤلفات شديدة الجرأة بحيث تكون ظهرت تحت وطأة سياق اليقين من الخصوصية واستجابة لوزير أو غيره، لكنّ استقراء الأدب العربي والمنتوج العربي يعطيك دلالة واضحة بأن القوم كانوا لا يتحرجون من كتابة وذكر هذه الأخبار في كتب الأدب العادية أو المتخصصة في المجون، في كتب التاريخ، أو الفقه أو في غيره. فلماذا يستطرد الطبري في نقل أخبار تشبه هذه في تاريخه؟ أو السيوطي في جنبات تاريخه؟ فدل ذلك على أنهم لا يمانعون وقوع هذا اللون من الخطاب ومن الإضاءات والنقل عموما في يد العامة حتى، لتسامح العصر والأفق مع هكذا لون من الخطاب وتفاوت الدرجات فيه، فيدل على قولنا أن خطاب العرب القديم مع هذه الظاهرة مختلف بشكل ظاهر عن خطاب اليوم العربي.
الثانية: لم يكن المؤلفون يهجسون كثيرا بفكرة التأليف للخاصة، فهم يعلمون سلفا أنه لا يقع على هذه الكتب ويفهمها سوى القرّاء، وسوى من تدرّب على قراءة مثل هذا. فمثلا لم يكن يخشى ابن رشد وهو أكبر موسوس في الموضوع حول وقوع "شرح البرهان" في يد العامة، لأنهم لا يملكون الأدوات لاستنطاقه، ولا ابن سينا في "الإشارات" أو "حكمة النجاة"، كذا في مثل هذه الكتب الأدبية المغرقة في الشعر والنثر والإخبار وإن كانت سهلة، لكن أهل الأدب نخبة أنذاك أيضا، وقرّاؤه مثقفون، وهؤلاء لما ألفوا حتى أكثر كتبهم مجونا كانت تُباع بين الوراقين وتُشتهر بين رموز الثقافة وتُسجّل في أكثر من مصدر ولو عبر الإشارة إلى عنوان الكتاب، فدل ذلك على تداوله وانتشاره بين المثقفين حتى وصل إليه من هو في غرب الخلافة وشرقها. فلو تبحث عن أحد هؤلاء المؤلفين مع ذكر كتبهم الماجنة فما أيسر أن تجده عند ابن خلكان أو فهرست ابن النديم أو سير أعلام النبلاء للذهبي أو في مؤلفات أخرى تذكرهم مع كتبهم هذه عرضا. فليس أدل من ذلك على انتشار الكتاب وتلقيه في الوسط الثقافي.
فإذن ثمّة خصوصية قصدية في التأليف وتمني التلقي، ولكن بما يدفع أنهم كانوا يرون أنه لا يعيبهم التأليف في هذا، ولم يكونوا يخافون على سمعتهم كما يبدو في هذا، ولم يكن الجو خانقا لتلك الدرجة، فالتساهل في انتشاره من قبل المؤلفين والسوق دلالة أخرى، على نوع الخصوصية المُعقدة لهذا النوع من التأليف والاستقبال في فضاء الحضارة الإسلامية.