أعزائي الدارسين

لا يبدو أن الجامعة تهبك العلم، بقدر ما تهبك الدرجة. 

تحت وطأة قاضية القضاة، وحاكمة السماء القاسية -الدرجة- تختفي كل قيمة للمعرفة، وتتلاشى كل صمامات الشغف، والانفتاح المطمئن الهادئ على المعارف.

يعود الكل رأسماليين في أقدس حرمٍ..صرح العلم المدعى، حيثُ من المفترض أن يكون حرم اللارأس مالية. 

عندما يكذبُ الدكتور بإندهاشه العلمي، ويصطنع الطالب السؤال، ويصدق أشد الصدق المنزعج من كثرة الأسئلة المعرفية، ويمسح عرق الجبين طالبٌ لم يرفع رأسه المسدولة يومًا ليعرف، ولكن، ليكتب أبدًا على دفتره، بأشياء لعلها تهبه درجةً ما، يوم الحساب، ويوم يُحشر الناس زمرًا في القاعات، فيأتيك نبأ القيامة، غير أنها تعود كفصول السنة لا تنقطع، فتسمع هاتفًا يهتف في جموع السادلين رؤوسهم: ذلك ما كنت عنه تحيد.

-أعزائي الدارسين..

قد يحسب أحدكم أنه في نعيم بالنسبة إلى من يعمل عملًا مهنيًا..

والحق أن هذا من أوهام الكبار التي تلقي بظلالها علينا، فنحسب أننا فعلًا في حال ليس بشديد، وبكرب ليس بعظيم. 

ولكن الحق أننا في كرب وحال شديد. 

وذلك لأن الطالب يوضع تحت المحك دائمًا، مهدد دائمًا بفقدان مستقبله، مُطالب بأن ينجز كل شيء، في الوقت وبالشكل الصحيح. 

هو أيضًا لا سلطة له، مقهور، فأينما حصل الظلم، يقع عليه وقعة لا حد لها، دون أن تداريه الأيادي، أو تواسيه الشفاه. 

الطالب لا يفهم في كثير من الأوقات عندنا، لماذا يدرس هذا أو ذاك، اخ أيها الطالب، يرمى يا أعزائي كل إنسان للبيروقراطية الجامعية رميًا، تمامًا كما يرمى كل طفل للوجود. 

لا يدري لما أتى، وإلى أين، ولماذا يجب أن يستمر على وجه الحقيقة، ولكنها الحاجة الملحة لأن نستمر. كما أنها الحاجة الملحة للطفل بأن يستمر، لأن الحياة أصبحت أمرًا واقعًا، وصارت غريزة العيش متقدة لا محالة.


أيها الطالب..كم تسحقك الضغوط؟ كم تلعنك الليالي؟ كم يقلق مضجعك خوف النسيان؟ والتمني؟ والرجاء؟ 


هل هناك من التفت إلى معاناتك أيها الطالب؟ هل هناك من تحسسك وسط الجحيم الذي تصل ناره من قبل شهرٍ من الإختبارات؟ 

هل يرون لفيحها وشرارها على وجهك المُتعب المثقل؟ 

هل يسمعونك تتنهد وتزفر الأرقام والجُمل في غرفتك؟ 


الحقيقة أن الإنسان لا يكدح من بداية المهنة، هو يكدح منذ أن يكون ثانويًا وهو يكدح كدحًا، يبدأ خفيفًا، ثم تدفعه الجامعة للجحيم، ليستمر هناك، حتى بعد الجامعة، حتى الموت. 

التعبير القرآني كان عظيمًا، عندما بيَّن بأن هذا الوجود هو كدر، وهو كدح. 

كلمات مترادفة، متناغمة تصنع الحقيقة الوحيدة الماثلة وراء الوجود. 

قد تسألون..ما بك لا تكف عن الرجوع إلى نقد الوجود، فأقول: لأني أجد زاوية جديدة كل يوم، لأجدد هذا القول النقدي النابع عن تأمل وتفكر في الوجود، لا عن انفعالات عاطفية.


أيها الطالب المرهق..أيتها الطالبة المرهقة..

أنتما رفيقاي، اللذان أحس بهما أشد الحس في هذا الشطر من عمري.


9/4/2020

Join