فرويد متنكرّا لشوبنهاور
لقد كان يدعّي فرويد أنه لم يقرأ شوبنهاور إلا متأخرًا، وأنه لم يتأثر به في كتاباته، هكذا يُصرّح فرويد، ولكننا نجد أن هناك من الباحثين من أحصى ١٧ موضعًا من مختلف كتاباته وكتبه يذكر فيه شوبنهاور، وبل مؤلفه الهام (ما وراء مبدأ اللذة) ومؤلفه (قلق في الحضارة يُبيّن خطوط التقاء مثيرة للاهتمام كما يذكر الدكتور joshua foa Dienstag في كتابه "التشاؤمية" pessmism.
فإذا كانت فلسفة شوبنهاور تقوم على أن العالم إرادة وتمثلا، بمعنى أن العالم يحركه إرادة عمياء، وما الموجودات سوى تمثيل لهذه الإرادة العامة، وهي عند شوبنهاور نزعة كونية للبقاء، للحياة، للاستقرار.
هذه النزعات هي العالم بوصفه إرادة، وكل شيء في الوجود هو تمثّل لهذه الإرادة في أشكال وطُرق وأجسام مُختلفة.
ويرى وفقا لذلك شوبنهاور أن إرادة الحياة هي الشي الأساسي في الوجود فإذًا الغريزة الجنسية هي الإرادة التي في الأنسان، أعمق شيء فيه، وهي التي تحرّك سلوكياته المعقدة، وفي كتاب شوبنهاور “ميتافزيقا الحب” يختزل الحبّ في كونه نشاطا وشعورا معقدا، وحيلة من الطبيعة لتحقق إرادتها في الحياة عن طريق الجنس، فالجنس بما هو الآلية للبقاء وإرادة الحياة، هي (مستخدمةً الحبّ لإقناع وحث الكائن على الكائن على الجنس والتكاثر) المكوّن الأساسي والمحرك لسلوكيات وتوجهات الإنسان التي هي تمثلات لهذه الإرادة للحياة العمياء.
الآن كيف يُمكن أن يتصل هذا بفرويد؟
فرويد يخبرنا أن اللاوعي هو عبارة عن إرادة عمياد لا تبصر شيئا سوى إرادة الحياة والجنس، فالجنس هو العنصر رقم واحد في أطروحات فرويد، فاللاوعي هو مستودع الإرادة العمياء للبقاء والحياة، فهو يرى أن كل نشاط إنساني يمكن إرجاعه بشكل أو بآخر للجنس، فالطفل يلقم ثدي أمه بلذة جنسية غير مكتملة ولا بالغة، والأحلام كلها رموز جنسية، والفن ما الفن؟ سوى مكبوت الفنان الجنسي الذي لم يجد له مصرفا فخرج على صورة فن، وكل لوحة لو تأملناها عند فرويد سنعود لمعنى جنسي ومكبوت معين، هكذا يتم عند فرويد التأويل الفني، بل حتى موسى نبي اليهود تم تحليله بذات المنهجية.
إن هذا الهوس الشديد بهذا المبدأ الجنسي، وعنوان كتابه (ما وراء مبدأ اللذّة) يُعطيك كذلك إشارة لذلك، فرويد أخذ الموضوع لأبعاد مختلفة لم يأخذها شوبنهاور في التفصيل والمجال، ولكن يتابع فرويد هذا المنظار فيؤكد أن الجنس وإرادة البقاء هي أسّ كل شيء، قد يكون الطرح في تفاصيله مختلف ولكن البُنى متطابقة لحد بعيد، فما هذا التقاطع المخيف؟ علمًا بأن كلاهما يتحدثان اللسان الألماني وفرويد جاء بعد شوبنهاور بوقت قصير بعد اشتهار شوبنهاور في الآفاق.
ونجد تشابها طريفا في طريقة النظر لمفهوم اللذّة وغاية الحياة، فاللذّة عند شوبنهاور وفرويد سلبية، بمعنى أن كل لذة هي سدّ جوع أو حل لمعضلة أو تضميد لألم وتفريج لكآبة. وكلاهما يقرر استحالة السعادة بمفهومها المتعارف في الحياة، وأن الحياة معاناة وأن ثمّة إرادة حياة عمياء
فيقول شوبنهاور: “الحياة السعيدة مستحيلة، إن أفضل ما يمكن للإنسان أن يتحصّل عليه هي حياة بطولية.”
وفي غاية الحياة يقول شوبنهاور: “ بالتأكيد، الموت هو بمثابة الهدف الحقيقي للحياة.”
وفرويد من بعد يُردد فيقول: “الهدف من كل الحياة هو الموت.”
كلا من شوبنهاور وفرويد يرون أن اللاوعي المُظلم، تلك الغريزة والإرادة العمياء التي في الذات هي الموجهة للإنسان.
ولذلك فإن فرويد أب التحليل النفسي قد أسس كما يبدو هذا التحليل على وجه طريف من التشاؤمية والسوداوية بخصوص الحياة والإنسان واللاواعي ورموزه وأحلامه.
إن فرويد هو المدشن الرائع للسوداوية في إطار سيكولوجي.
وفي دراسة ماجستير لسارة محمد من الجامعة الأمريكية بالقاهرة حول العلاقة بين الاثنان، تنقل أن فرويد كان لديه حساسية عالية من إظهار أنه قد تأثر بأي أحد أو أنه هناك من ألهمه فتنقل عن فرويد: “التحليل النفسي هو دائما بلا منازع صناعتي وحدي”
ولكن هل هذا صحيح؟ كيف في وجود دوستوفسكي الذي يعترف بعظمته نفسيا وشوبنهاور ونيتشه قبل فرويد؟
والحق يُقال ينازع ذلك نص آخر لفرويد نفسه أنه قد تعلم كثيرا من دوستوفسكي، فهل هذا لأن دوستوفسكي روائيّ ولا يُمثّل خطرا على الملكية الخاصة لأفكار فرويد؟ أم أنه بالفعل يتناقض؟ أم علينا قراءة هذا المنقول بشكل مختلف؟
على أية حال نلخص التقاربات بين شوبنهاور وفرويد في هذه النقاط:
١- القول باللاواعي المظلم للإنسان من حيث أنه يُحركه ويحرك الوجود إرادة عمياء مظلمة للبقاء تخلق سلوكياته الواعية.
٢- القول باستحالة السعادة الإنسانية والتركيز على تقليل المعاناة وحل المشكلات.
٣-اللذة سلبية
٤-غاية الحياة هي الموت.
٥- الجنس هو المحرّك والقائد الأساس للكائن الحي بما فيه الإنسان.
العُنصر التشاؤمي في التحليل النفسي الفرويدي هو شديد الأتصال بتشاؤمية شوبنهاور.
ثمّة مجموعة من الباحثين من أواسط القرن العشرين حتى الآن مُقتنعون بالصّلة الوثيقة بين شوبنهاور وفرويد وتجاهل ادعاء فرويد بأنه لم يقرأ شوبنهاور إلا متأخرا وأنه غير متأثر به كثيرا.