"كف المودود عن التمني بالخمرة في الموعود"

‏ونقول على طريقة المتكلمين: 

‏إما أن يكون الخمر الذي في الجنة هو ذاته في صفاته خمر الدنيا أو لا يكون. فإذا كان الأول، كان باطلا، وذلك لأن الجنة محط الكمالات،واليقظة التي لا نوم فيها، 

والوضوح الذي لا غشاوة فيه، وقد علمنا أن الخمر يجعل الأذهان مضطربة،

 والعيون عليها غشاوة، والتوازن فاسد،والتكليف ساقط، والوعي خفيف. 

وثبت أن هذه الأمور من علامات النقص والفساد، فثبت بطلان كونها في جنان

 الرحمن.

‏وأما القسم الثاني، هو عدم كون خمرة جنة الرحمن هي هي خمرة الدنيا الحقيرة. 

‏كان ذلك باطلا لوجهين: 

‏الأول/من جهة البلاغة: أما إذا كانت الخمرة غير الخمرة، فلا معنى من تسميتها خمرة. فهذا لعمري إشكال بلاغي، فالخمرة شراب عنب مخمر، فيه مرارة، وفيه حموضة، ويخامر الذهن بما يُعلم من تأثيره ومادته، وسوى ذلك كان أرجى تسميته بالعصير، أو بالماء السكريّ، أرجىللبلاغة التي المقصود منها البيان مع الإيجاز. ونقصان البيان نقصان في البلاغة. 

‏وأما الوجه الثاني:/فلسفيّ، دينيّ:

‏لما ثبت عندنا من مقدمات سبقنا أن شرحناها في كتبنا الأخرى، أن الحسن والقبح عقليان، ثبت أن الخمرة قبيحة عقلا.

‏وبما أن الشارع قبحه، والشارع ليس بعابث كما قد ذكرنا، بل هو على خط الحكمة سائر، فإذًا متقفٍ أثر الحسن والقبح العقليان. فلما كانتالخمرة قبيحة في الشارع الحكيم، كانت الخمرة قبيحة عقلا، فكيف يعد الرب سبحانه بالقبيح مكافأة على الخيرات والصالحات ؟ 

‏فالقبيح قبيح أصله، في دنيانا أو في عالم موازٍ. ومعلوم بأنه قبيح الوعد بالقبيح. وقررنا بأن الله لا يجوز عليه القبيح، إلا عند الأشاعرة وهم ق عابثون، خالطون للمنطق ومقرراته، والقرآن وآياته. 

‏ويلزم من يقول بفعل الله للقبيح جوازًا امتناعهم عن القدرة على إثبات النبوات والرسائل، فلعل الله لما جاز عليه القبيح- كذب على أنبياءه، أو مكن الشياطين من الإيحاء للأنبياء، أو أن يكذب بالوعد بالجنة أو الوعيد بالنار. وإن كان

 في إخلاف الله للوعيد خلاف بين مجيز وغير مجيز. 

‏فقد قال المجوزون : من الحسن إخلاف المرء لوعيده، ولكن من القبيح إخلاف المرء

 لوعده. كأن يتوعد ملك رجلا بعقوبة الموت، ثم يعفو عنه، فقد كان محسنا، وأما إذا وعده بمنصب ومبلغ ومنزل وأخلف وعده، كان قبيحا به. 

‏فإذا علمت هذا فاعلم أن الفلسفة والمنطق العقلي يمنعان أن يكون الشيء أبيض وأسود في ذات الوقت، فكذا أن تكون خمرة و لا تكون. فثبت على جميع الوجوه بطلان الوعد بالخمرة في الجنة في شريعة النبي الأخير. 

‏والحمد لله رب العالمين، المنعم الأمين، القادر الحكيم، رب الأرباب، واهب العقول، وموزع الضمائر، وتارك الإنسان لشأنه، وعائد به للتراب المطمئن، من حيث جاء يعود، من حيث يولد يموت.

Join