الله والكومبيوتر
في مشاكسة الرازي والمتكلمين والفلاسفة حول صفة الحياة لله وهل العلة الأولى حية؟
أولا ماذا أعني بالمشاكسة ولما اخترت هذا اللفظ؟
في الحقيقة كانت فكرة هذا المقال مداعبة ومشاكسة وعراك فكري مع رموز كبار، وبالضبط لأني أخالف في فكرة المقال عظماء لا يشق لهم غبار، وجب القول بأن كل هذا مشاكسة من صغير لكبير، ومشاغبة لهم.
وقد كانت الفكرة قصيرة خفيفة مع بعض الحجج، كمشاغبة حقيقية ذات حس ذو دعابة فكرية، ولكن تحولت لبحث ولمجموعة مراجع ولمناقشة صارت أكثر قربا للجانب الجديّ البحثي.
لقد كنتُ أقرأ المطالب العالية للرازي فأمر على الصفات الإلهية التي أفرد الرازي الكثير من الورقات في صفات مثل العلم والإرادة والقدرة، ولما وصلنا لصفة الحياة رأينا الحديث عنها لا يتجاوز الصفحة الواحدة وعنوان الموضوع فوقه! فما كان مني سوى أني فُوجئتُ بالذي رأيت، لأنني كنتُ داخلا على الفصل بفضول متسائلا كيف سيتم تناول قضية الحياة لله؟ لأن الحياة كما نعرفها مفهوم حيوي بيولوجي، وهذا لا يصح على الإله على نهج المتكلمين والفلاسفة. ولكن كيف يمكن أن نصف الله بالحياة؟ ما معنى أن يكون الشيء حيا؟ خصوصا إذا نسبت "الحياة" لله ولا سيّما إذا علمت أن تعريف الشيء الحي في علوم البيولوجيا ما زال مُعضلا، فالحيوان والإنسان متفق على كونه حيا، وكذا النبات وإن رأيت أن النبات صار يقترب من جهة المعضلة، ثم تنزل للفايروس المصيب بالأمراض فلا تدري هل هو حي أم لا، والنزاع في ذلك قائم بين البيولوجيين حتى يومنا هذا وقد أُلّف في تعريف الحياة مجموعة من المؤلفات القديمة والحديثة. كمثال انظر: (ما هي الحياة؟-بول نيرس)
فيتبادر لذهنك أن صفة الحياة للموجودات المخلوقة ولا تصح على المُتصف بالكمال، ولكن المتكلمين يصرّون على نسبة الحياة لله وذلك لأن النص ورد به ويؤكدون أن هذا من حكم العقل كذلك، فيذكرون في بداية أبوابهم حول صفة الحياة أن "اتفق العقلاء على أنه تعالى حي" فما معنى الحيّ في حق الله؟
ولماذا الحديث عن صفة الحياة خطير؟
لأن كل صفة لله أخرى مثل الإرادة والحكمة وغيرها معتمدة على كونه حيّا أيضًا، فلما لا يكون الإله محض حدث جامد؟ وهنا يكون خالقا بالطبع ويرجح قول الفلاسفة المسلمين وغيرهم بأن الله يخلق بالطبع، وكونه ليس حيا يتناسب مع كونه خالقا بطبيعته المحضة فحسب دونما اختيار للإله وترجيح بين الأمور وإنما يخلق وفق طبيعته المحضة آليا. فمن هنا نبدأ نتلمس أهمية وإحدى تطبيقات وتفريعات القول بأن الله حي أو غير حي، وغير حي لا يعني ميت كما سيمر بنا.
وأن هذا خصوصا في العالم الحديث مع التقنية وعجائب الآلات أشد خطورة. فما يدرينا أن علة الكون الأولى حيّ؟ وسنأتي على ذكر حججهم ومشاكستها من باب تعميق النقاش في المسألة واللفت لها.
فالحياة قد تُعرّف عند القدماء والحكماء بأنها قوة الحركة والحركية والحس، ومنهم من قال بأنه من له دم مسفوح، ومنهم من قال هي النفس الغاذية (قدرة التغذية) وقدرة الشيء الموصوف بالحياة على النمو والتولد وهو تعريف أرسطو وابن سينا والمشائين وهو قريب جدا من التصور البيولوجي الحديث بأن القدرة على التكاثر هي ما تجعل شيئا ما حيا.
فالحق أن الحياة قد تبدو من زاوية نظر أخرى نقصا في الكائن الكامل كما إرادة الاختيار بين الأمور عند الفلاسفة المسلمين نقصا للإله. وهذا ما التفت له ممن قال بأن صفة الحياة سلبية لله وسنأتي على بيان أن القوم كلهم نزهوا الله عن الحياة في واقع الأمر انتبهوا لذلك أم لم ينتبهوا، أو على الأقل اختزلوا صفة الحياة حتى لم نعد نرى صفة الحياة ذاتها لها وجود حقيقي.
فالحياة من حيث هي حالة حادثة وتمسها الحاجة، تحوز على نقص يجعلها من خلال هذا النقص حية.
وإنما الملاحظة التي وقعنا عليها بأن المتكلمين والفلاسفة وغيرهم تجاهلوا على الأغلب هذه القضية ولم يعتبروها مشكلة حقيقية كما العلم والقدرة والإرادة وحتى السمع والبصر!
وقد رجعتُ إلى مؤلفات منها: التمهيد للباقلاني، الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي، الإشارة في علم الكلام ، والمحصّل في أفكار المتقدمين والمتأخرين، والمطالب العالية للرازي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد لمتن نصير الدين الطوسي وهو متن أساسي عند الشيعة، وعدت إلى اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع لأبي الحسن الأشعري وإلى المغني للقاضي عبد الجبار المعتزلي ولكشف مناهج الأدلة لابن رشد الفيلسوف وللشفاء لابن سينا والخلاصة اللاهوتية لتوما الأكويني وللتدمرية لابن تيمية وغيرها حتى أستشفّ مختلف صنوف المذاهب الثيولوجية في هذا الصدد والمسألة الهامة في تقديري، وما هذا المقال سوى محاولة للفت النظر إلى إشكالية صفة الحياة لله، وأنها مشكلة تستحق بأن تكون عويصة وخطيرة كما أُخريات مشكلات الصفات.
ووجدت في معظم هذه المصنفات أن الكلام لا يتجاوز السطرين أو الصفحة على الأكثر في كل مصنف وموضع!
ومعظمهم اتفق وكأنهم كانوا في مجلس واحد على أن لا تُعطى هذه المسألة أية اعتبار، هذا مع العلم أنها عند الأشاعرة مثلا من الصفات الأساسية التي تتفرع عنها بقية الصفات (العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر)
وقد اختزلوا جميعا صفة الحياة في العلم والقدرة، وأن القول بأن واجب الوجود قادرا عالما يعني بأنه حي. وهذا الاستدلال على كونه حيا بالاستدلال على كونه عالما وقادرا.
وهذا للمتفطن فيه شُبهة الدور وهو أن الموضوع يُستدل بدليل والدليل بمحتاج لدليل وهو ليس استدلال مباشر على عين الشيء.
ودعونا نستعرض ما يقول أرباب العقل ونرى لماذا همشوا هذه الصفة من حظ النقاش الكلاميّ والثيولوجي ثم نبسط تعليقنا ومشاكستنا لذلك.
أقوال القوم في صفة الحياة:
-يقول الرازي موجزا سبب الموضوع في الإشارة في علم الكلام:
"وكل فعل محكم متقن ففاعله عالم، فإذن صانع العالم عالِم وكل عالم فهو حي، فصانع العالم حي، فثبت أنه تعالى قادر عالم حي."
ويقول المحقق في الهامش بوثوق: "إثبات صفة الحياة لمولانا-تعالى وتقدس- من الأمور الهينة، وذلك لأنه إذا ثبت أنه تعالى عالم قادر، فبالضرورة يثبت كونه حيا انظر: الاقتصاد ص218 “
-ويقول الغزالي في الاقتصاد في الاعتقاد بعد أسطر يسيرة في صفة الحياة وأنها تثبت بعد ثبوت صفة العلم والقدرة لله: "وهذا واضح، والنظر في صفة الحياة لا يطول." ص167
-ويعطي الباقلاني في التمهيد تعليلا آخرا شبيها:
"يدل على ذلك أن الحيّ منا لا يجوز أن يكون حيا عالما قادرا مريدا مع عدم الحياة والعلم والقدرة، ولا توجد به هذه الصفات إلا وجب بوجودها به أن يكون حيا عالما قادرا. فوجب أنها علّة في كونه كذلك. (التمهيد-ص197)
-ويقول القاضي عبد الجبار المعتزلي في المغني:
"قد بينّا أن وصف الحي بأنه حي مُختص بحال معها يصح أن يقدر ويعلم ويدرك، وبينا أن وصفه بذلك لا يفيد أن له حياة، وأن حدّ الحي بأنه ممن يصح أن يعجز ويجهل لا يصح"
"وقد بيّنا أن الغرض بقولنا إنه يصح أن يقدر ويعلم أن ذلك غير مستحيل فيه"
(المغني-ص229 جزء الفرق الغير إسلامية)
فالقاضي يثبت صفة الحياة لله.
وهذا مهم فهمه أنهم يستدلون على الحياة من حيث أنها الإمكانية في أن يكون الموصوف قادرا وعالما، فهي في هذا المعنى السلبي عند المعتزلة والفلاسفة عدا ابن سينا ففيه تفصيل.
ويقول الطوسي في تجريد الاعتقاد: "وكل قادر عالم حيّ بالضرورة"
مرة أخرى نجد الاستدلال على الحياة من خلال القدرة والعلم.
ويقول الشارح لمتن الطوسي لهذه العبارة: "أقول: اتفق الناس على أنه تعالى حي واختلفوا في تفسيره فقال قوم أنه عبارة عن كونه تعالى لا يستحيل أن يقدر ويعلم وقال آخرون أنه من كان على صفة لأجلها يصح أن يعلم ويقدر والتحقيق أن صفاته تعالى إن قلنا بزيادتها على ذاته فالحياة صفة ثبوتية زائدة على الذات وإلا فالمرجح بها إلى صفة سلبية وهو الحق وقد بيّنا أنه تعالى عالم قادر فيكون بالضرورة حيا لأن ثبوت الصفة فرع عدم استحالتها"
(كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد-ص313)
ومرة أخرى نلاحظ هاهنا أن لا أحد يقوم بتعريف الحياة المُتحدث عنها على وجه التحقيق، وأن ما نتحدث عنه غائب منذ البداية.
ويقول ابن رشد الفيلسوف موافقا أيضا لجموع المتكلمين في مناهج الأدلة:
"وأما صفة الحياة، فظاهر وجودها من صفة العلم" إلى أن قال: "وما قالوه في ذلك صواب" يعني المتكلمين. (الكشف عن مناهج الأدلة-ص130)
وفي تعليق ابن تيمية في التدميرية على طريقة تعاطي المتكلمين والفلاسفة مع صفة الحياة وغيرها من الصفات من كتاب التدمرية:
"فهذه الصفات منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف بها إلا الجماد أو الناقص"
"ومن قال: إنه ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا متكلم، لزمه أن يكون ميتا أصم أعمى أبكم"
(التدمرية-ص61-62)
وقد استدل بعضهم على ثبوت صفة الحياة لله بكونه غير ميّت، أي نفي الموت عنه. وقال المتكلمون وغيرهم هذا ضعيف، لأن الجماد غير حي ولا يوُصف بأنه ميّت.
فلا تقول عن الحجر بأنه ميّت. وإنما أنه جماد. غير متعلق بالحياة والموت.
وهذه تساعد من يريد الاحتجاج أن الله لا يُوصف بالحياة.
وهو قول لم يقله أحدٌ ممن نقلنا قولهم وهو محلّ مشاكستنا وهو نفي الوصف والاسم تماما لا تأويله.
والمعتزلةيجعلون صفة الحياة سلبية ومنفية في الجوهر لله صراحةً يعني يجعلونها سلبية:
"اللهم إلا فرقة من المُعتزلة نفت الحياة عن الله، إذ الحياة في نظرها لا تقوم إلا في البنية الجسمية (المعتزلة. زهدي جار الله هامش ص٧١)" وهو مأخوذ من كتاب: (فخر الدين الرازي وآراؤه الكلامية والفلسفية-صالح الدين الزركيان)
وابن سينا في الشفاء ينسب للصفات الإلهية الإضافة وهو إذًا لا يقول بالصفة السلبية للحياة كما المعتزلة وبقية الفلاسفة ولا بكونها زائدة على الذات كما الأشاعرة ولكن يقول هذه الإضافة إيجابية ولا تفيد كثرة في الذات، فيقول:
"وإذا قال له: حي، لم يعنِ إلا هذا الوجود العقليّ مأخوذا مع الإضافة إلى الكل المعقول أيضا بالقصد الثاني؛إذ الحي هو المدرك الفعّال" (الشفاء-الإلهيات ص268)
فلما تقول الله واجب الوجود، فهذا يعني مباشرة أنه موجود بالضرورة وليس عدما (فنسبت الوجود) وأنه قادر (لأنه تصدر عنه الأفعال والكون) فثبت فقط بإثبات عين وجوده تستطيع إضافة صفات أخرى له لا من حيث أنها مختلفة أو زائدة على وجوده وإنما هي طبيعة وجوده ومجرد إضافات ذهنية ومثل ذلك في الحياة بكونه موجودا دائما وأبدا ومدركا فعالا على حد تعريف ابن سينا.
ومشاكستنا لذلك ستأتي.
ويقول الفيلسوف المسيحي توما الأكويني ساقيا أولا الاعتراض عليه: "يظهر أن الحياة ليست ملائمة لله لأنه يقال لبعض الأشياء إنها حيّة من حيث أنها تُحرّك نفسها كما مرّ في الفصل السالف، والله ليس يلائمه أن يتحرك، فإذا ليس يلائمه أن يكون حيا.
وساق حججا عديدة ضد إمكانية اتصاف الله بالحياة. منها ما ذكرنا ومنها أن لكل حيّ مبدأ جعله حيا والله ليس له مبدأ خارج عنه فهو ليس حيا.
ثم بعد ذلك أثبت صفة الحياة على هذا الوجه من ضمن الوجوه:
"وعلى الثاني بأن الله كما هو نفس وجوده ونفس تعقله هو نفس حياته ولذا فهو حي من دون أن يكون لحياته مبدأ"
(الخلاصة اللاهوتية الجزء 1 ص246-248)
وذلك هو تقريبا دليل جميع المعتزلة وابن سينا والفلاسفة المسلمون على اضطراب بعضهم في المسألة وهي أن صفة الحياة كما صفة الوجود كما كل الصفات هي عين ذاته.
ويقول الدكتور محمد صالح الزركان في رسالته للدكتوراة نقلا عن الرازي وتعليقا عليه:
"ثم أراد أن الحياة ثبوتية فقال أن الامتناع عدمي وانتفاءه عدمي أيضا فانتفاء الانتفاء ثبوتية"
ومعنى هذا أن الرازي يستدل على صفة الحياة بأنه لا يمنع أن يكون الله حيا، فقولنا لشيء أنه لا يمنع أن يكون كذا عدمي بمعنى أنه لا وزن له فراغ ، لا يثبت شيئا.
فعندما ننفي الامتناع هذا يصير الأمر إثباتا.
فنفي النفي إثبات.
فنفس إمكانية الامتناع (أن يُمنع الباري من كونه حيا) فنفي الامتناع الذي هو عدمي أصلا إثبات.
وهذا كما ترى دليل لغوي ورشاقة منطقية لا تدل على المطلوب.
وقد أجاد الدكتور بالفعل ودل على أنه متفحص جيد لأعمال الرازي ولهذه المسألة وقال في آخر مبحث صفة الحياة:
"وأعتقد أن بحث صفة الحياة من أضعف أبحاث الرازي بناء" (فخر الدين الرازي وآراؤه الكلامية والفلسفية-صالح محمد صالح الزركان ص 314)
ونحن نوافقه على ذلك، وما حركنا لهذا البحث أساسا سوى الصدمة التي تلقيناها في المطالب العالية في موضع بحث صفة الحياة لضعفها وقصرها الشديدين.
المشاكسة:
نقول نرتب قولنا على أوجه:
المشاكسة الأولى: نقول أن المتكلمين وغيرهم وقعوا في هذا الذي نظنه غلطا لما لم يتخيلوا موجودا عالما وقادرا وغير حي، ومثاله في زماننا الكومبيوتر والذكاء الاصطناعي، فهو عالم بمعنى أنه لديه علم وأكواد تنتج قدرة وأفعالا وتحليلا وأفعالا حسابية وسلوكية معقدة وهو ليس فيه حياة ولا قدرة غاذية ولا يحس. أما عن الحركة فعلّه يتحرك لو كان روبوت أما الكومبيوتر من حيث هو فلا يبدو عليه الحركة, فثبت إمكان شيء غير عالم ولا قادر على أن لا يكون حيا. ومعلوم كيف ننظر للكومبيوتر ونقصه عن الإنسان ونقص الإنسان عن الإله من حيث معنى الحياة والوعي والإرادة المتداولة.
المشاكسة الثانية: فهمنا قولكم بأن صفة الوجود لله هي عين وجوده، ولكن أن تصير كل صفة أخرى هي عين وجوده وتصرون على إطلاق هذا اللفظ على الموصوف (العلة الأولى) فهذا عبث في اللغة وفي العقل المشائي التنزيهي وفي طبيعة الأوصاف.
فقولكم أن الحياة هي تعني أنه باقٍ وأن القدرة أنه مصدر للوجود وأنه عالم لأنه تصدر عنه المُدركات فما ذلك إلا محاولة لتكثير الأوصاف لشيء واحد في الحقيقة، ولزم عند إدراكهم ذلك التخلي عن هذه الأوصاف ولكنهم أصروا عليها وعلى ذكرها وتفسيرها وكأن لها دورا حقيقيا وأن الذي تبحثون عنه من أمر هذه الصفات موجود.
بل نقول بأن نفي الحياة والإرادة وإعضال القدرة وإعضال العلم (مسألة عويصة العلم الإلهي تختلف فيها الأراء جدا) يجعل طبيعة الذي نتحدث عنه مختلفة جدا بين رأي ورأي ويبطل معها الدعاء أو يصح كما أنكر معظم فاعلية الدعاء المعتزلة، وطبيعة العلة الأولى تتباين كثيرا عند إثبات هذه الصفات أو نفيها لا كما المخرج الذي خطه المعتزلة والفلاسفة المسلمون، بل هنا نجد كيف يتباين كثيرا التصور المشائي الأرسطي مع الإبراهيمي.
ولعل هذا الإصرار على الصفات لما ورد من النصوص وغيرها واتفاق الأذهان والناس عن تصور هذه الأمور للعلة الأولى.
فنقول أن نسبة صفة الحياة لله مع نفيها محال. وأن قول أن كل تلك الصفات نعم موجودة ولكن هي عين ذاته قول مضلل عن حقيقة ما يقال في المقام، وعن افتقار القائلين بأنه يتصف بكونه هو لأي وصف له، ولكن لحاجة الشيء المدروس للفهم وبالتالي للاتصاف يتورطون من مداخيل أخرى في وصفه بتوصيفات وإضافة أمور إليه يدعون مرة أنها سلوبية أو إضافية من غير تكثير ولا زيادة حقيقية.
ولعلي أرى أن القول بأن صفاته هي عين وجوده ما هو إلا نفق مسدود أصله هو القول بأننا لا نعرف عن الله شيء غير أنه واجب الوجود، ولا يريدون القول بأننا لا نعرف الله ونسكت في بحثه فيقال صفاته هي عين وجوده وندخل المتاهة وانقلاب الصفة والموصوف لغة وعقلا كما ترى في صفة الحياة العجيبة.
وانظر إلى أنهم حتى حول أنه علة للموجودات فيه خلاف بين قائل بأنه علة لشيء واحد (الهيولى مثلا أو العقل الأول) وأن هذا المعلول الواحد هو الذي صدر عنه كل شيء آخر والمعلولات الأخرى والمخلوقات.
وهذا كلام يلغي كثيرا صفة الصدور بطريقة أساسية ومباشرة عن الله للأشياء، ولذلك من الشُبه الموجهة أحيانا في النقاش الثيولوجي هي لماذا لا يستحق العقل الأول العبادة لا العلة الأولى؟ دام أننا نصدر عن ما بعد العلة الأولى ؟ وإلى غير ذلك من المشكلات.
فظني أن منتهى كلام المشائين هو أننا لا نعرف العلة الأولى وأنها غير معقولة، والقول بأن الصفات هي عين الذات هو محاولة لدراسة وعقلنة هذا التصور المفتقر لأي معرفة للعلة الأولى. وستجد أنهم يحاولون دائما التوليد من كونه واجب الوجود الكثير من المعاني حتى يتم استنفاذ هذا الحجر الأول من المعاني.
وسنأتي على مشاكسة أولئك الذين يقولون بأن صفات الله زائدة عليه. فأولئك لهم كلام.
المشاكسة الثالثة: هب أننا نفكر من غير التقنية الحديثة فلا تزال المُشكلة قائمة، فاختزال صفة الحياة في العلم والقدرة هو مجرد حذف لصفة الحياة على وجه التقدير، فلا يجوز الاستدلال على الحياة بحذفها، ولا الاستدلال بالشيء بالضبط على غيره في جوهره وماهيته! كيف يُقال جوهر الحياة أن يكون جوهره عالما قادرا، وهذا هو تفسير الجوهر بالجوهر، وذاك لا يصح فتكون الحياة عرض أو غير موجودة وهو منتهى حديثهم للمتأمل.
فمعظمهم جعل إما الحياة سلبية كما يعتقد الطوسي والمعتزلة والفلاسفة وكل من يرى أن صفات الله هي عين ذاته وليست زائدة عليه يرونها سلبية، بمعنى أنها محض العلم والقدرة أو أنها تنفي عنه الموت فحسب لا أن ثمة شيء ما ذو مفهوم حياة يتصف به الله.
وابن سينا والمتكلمين من مثل الأشاعرة يرون أن صفة الله موجبة لله، ويختلفون في طرائق ذلك. فهي ليست عند ابن سينا محض العلم والقدرة وإن كانت النتيجة متقاربة للمتفحص.
ولكن القرآن الكريم يصف الباري بأنه حي، ومعظم المتكلمين يقولون "اتفق العقلاء على أنه حي" ونحن سننظر الآن في افتراقهم عن طريقة القرآن، ونثبت أنهم تناقضوا مع أنفسهم في ذلك، فأثبتوا السمع والبصر لأن النص ورد به ونفوا الحياة رغم أن النص ورد به!
وهذا ما سنفصل فيه.
المشاكسة الرابعة: قبولهم لصفة السمع والبصر ورفض صفة الحياة، خصوصا الأشاعرة.
يرد الغزالي في الاقتصاد في الاعتقاد على اعتراض أورده حول صفة السمع والبصر:
"فإن قيل: إنما أُريد به العلم؟
قلنا: إنما نصرف ألفاظ الشرع عن موضوعاتها المفهومة السابقة إلى الأفهام إذا كان يستحيل تقريرها على الموضوع، ولا استحالة في كونه سميعا بصيرا، بل يجبُ أن يكون كذلك، فلا معنى للتحكم بإنكار ما فهمه أهل الإجماع من القرآن.
وفي حجاج الغزالي للمعتزلة والفلاسفة في موضوع السمع والبصر يثبت السمع والبصر عن طريق إثبات العلم وقياسه على السمع والبصر وأنه إذا ثبت هذا ثبت ذاك، أليس هذا اختزال للسمع والبصر المراد إثباتهما إضافة للعلم كصفة؟
ثم في نفس الصفحة يثبت لنا الغزالي موقفه أن السمع والبصر مغايران للعلم، أي أنهما ليسا نفس الشيء، وظني أن الغزالي يعلم أنها مسألة عويصة إثبات السمع والبصر ولكنه أصر عليها للأسباب عديدة منها التمذهب بالأشعرية واتصالهم بأهل الحديث.
"فإن العلم كمال، والسمع والبصر كمالٌ ثانٍ للعلم"
فساق الغزالي اعتراضات على موقفه وهي وجيهة وهي أنه إذا أثبتم إمكانية حواس (السمع والبصر) لأنها تفيد العلم فلما لا تثبتون لله الشم والذوق ؟ وهذا كمال فيه يعرف ذوق الأمور ويعرف روائحها فهذا صيغ أخرى من العلم وموضوعات أخرى وكمال آخر للعلم به، ولو قالوا بالعلم المحض من حيث أنه يشمل هذا كله داخل العلم لما وقعوا في هذا الحرج.
ولكن الغزالي قرر إثبات صفات مثل الشم والذوق للباري بالفعل مفصلا في ذلك أنه بغير اتصال ولا مماسة بالشيء الذي يُعلم شمه وذوقه وإحساسه. وهذا عجيب. فرأيي أنه يعيدنا لقريب محض العلم.
فقد وصل بالمعترضين أن قالوا بأنه لو تابعناكم على ما أنتم فيه من نهج فالذي لا يلتذ ناقص، فاللذة كمال ، والعنين الذي لا يجامع ناقص فهو فاقد لكمال الشهوة ، قياسا على أن البصر والسمع فقدانهم نقص وشكل من العلم والكمال لا يكون بغير هذه الصفات فيصير المرء أبكم وأعمى فوجب لله سمعا وبصرا حسب منطق الغزالي ومن أثبت معه لأن السمع والبصر كمال، فوجب وفق هذا الاستدلال يقول هؤلاء المعترضين نسبة هذه الأمور للعلة الأولى وهي لا تجوز.
ويرد الغزالي بأن هذه الأمور مثل الشهوة والتلذذ وغيرها هي من النقائص لأن التطلّع لا يأتي إلا من نقص وحاجة.
ونحن نقول للغزالي وهل يُبصر غير المُحتاج للإبصار لحصول العلم بالمُبصر به؟ وهل يسمع غير الذي يحتاج لإدراك المسموع علما؟
وبل نقول أن المسموع والذي نبصره ما هو إلا طرق للعلم لا توجد إلا مع الذي له بصر وسمع وغير قادر على حصول ذلك العلم بالشيء بغيرهما . فثبت أن السمع والبصر خصيصتان إنسانيتان لا تصح على مطلق الكمال والتجريد لو تمشيّنا بمنطق المشائين والمنزهين.
لا نطيل بها المقالة فليعد لها المهتم في مظانها، وأوضح في اخر كلامه عن النقطة أنه:
"ولكن لما لم يرد الشرع إلا بلفظ العلم والسمع والبصر..لم يمكن إطلاق غيره"
والحق أن هذا أصل المسألة وكلام كثير من الأشاعرة بأننا أثبتتا السمع والبصر لا لحجة عقلية بل لورود السمع به.
فنقول لو كان الأمر كذلك فلما لم تنافحوا وتدافعوا عن وجود صفة الحياة واختزلتموها في أسطر قليلات في العلم والقدرة؟
يبدو أنهم يثبتون ما ينفون ويجمعون ما يفرّقون؟
وانظر دليل ذلك (وقوف الأشاعرة على النص في إثبات صفة الحياة واختلافهم مع إثبات الغزالي للشم والإحساسات والذوق وترددهم في ذلك ما عدا أساتذة الغزالي كالجويني في الإرشاد والباقلاني.
ويقول المحقق بما يفيد كلامنا في الهامش على الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص179:
"وبعضهم-ونسبوا للتحقيق كذلك-توقفوا في إطلاقها (يعني المُدركات كالشم والذوق وغيرها) منهم المقترح وابن التلمساني، وذلك لتعارض الأدلة.
ومن هنا يتبين ضعف المسلك العقلي في إثبات صفتي السمع والبصر، وترجيح الدليل الشرعي النقلي في إثباتهما، وسيأتي شيء من تفصيل ذلك في صفة الكلام" انتهى.
وحول هذا المعنى بإثبات السمع والبصر فقط لكون السمع ورد بذلك بغض النظر عن التدليل العقلي ذكره الرازي في مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير ص 27/154.
فنقول لما لم تصنعوا ذلك في صفة الحياة؟
وذات الأمر موجه للمعتزلة والفلاسفة من جهة أخرى وهو أن ظاهر القرآن يقول بصفة الحياة وهم يدعون أنهم متبعون له، ثم ينفون الصفة ويختزلونها في العلم والقدرة ويجعلونها سلبية، فإما أن ينفوا الحياة عن الله كليةً كصفة ويكتفوا بالعلم والقدرة وغير ذلك، أو تكونوا كابن تيمية تنسبون لله الحياة بلا خجل وحينها يضحون بالمسلك العقلي التنزيهي التجريدي الذي سار عليه المتكلمين والفلاسفة المشائين.
فينسبوا حتى الجسمية بلا خلاف لواجب الوجود.
أو أن يتنزدقوا فيقولوا بأن العلة الأولى لابد وأن لا تكون حيّة كما وأنها لا تكون مريدة بل بالطبع وهو الذي قاله الفلاسفة المسلمون والمعتزلة في مسألة الإرادة.
فالقول بانتفاء صفة الحياة عن العلة الأولى يؤدي لترجيح انتفاء الإرادة مما يغير تصورنا أكثر حتى من التصور الذي قام به الفلاسفة المشائين حول العلة الأولى.
فلما لا يكون الصانع وفق هذا المنطق آلة كما الكومبيوتر؟تصدر عنها الأمور بغير حياة ولا إرادة؟ وهذا يجعلنا نفكر عميقا في معنى أن يكون الشيء حيا أو مريدا، وهذا مُعضل للمتأمل.
والحق أن هذه المشاكسة ترمي أنه لو قال امرؤ ما أن العلة الأولى منتفية عنها الإرادة والحياة فإن ذلك يعني أن الذي نتصوره لا علاقة له بالله الذي يقدمه القرآن، فلا مجال للتأويل البينونة شاسعة بين كلا التصورين.
فلازم كلامهم الذي يتخبطون فيه بسبب محاولة التوفيق "العقلي" مع "النقلي" هو تصور مغاير تماما للإله الإبراهيمي، والحق يقال من الصعب أن يلتقي التصور الأرسطي والإبراهيمي للعلة الأولى.
ومحاولات الفلاسفة المسلمين والمتكلمين هي هذه، ودراسة صفة الحياة في رأيي منفذ وعرض ناصع وطريف لرؤية مدى الاختلاف في مثل هكذا قراءة بين التصور المشّائي والإبراهيمي للعلة الأولى وصعوبة الاعتقاد أن الجسور التي مُدّت بينهما بالفعل صالحة لأن يكون المرء يهوديا أو مسيحيا أو مسلما ومنطقيّ مشائي متكلّم في ذات الوقت.
ولذلك طريقة ابن تيمية ثم طريقة الرازي في آخر حياته
(قد توضح موقف الرازي هذا مقالة كتبتها بعنوان الرازي فيلسوف العدم) هي طريقة قد تبدو أنها تفرّ من مأزق التوفيق بين النقاشات المشائية حول الصفات بنكهة أرسطية وبين طريقة ووصف القرآن، ولكنها لا تزال تحمل معها إحراجات هذا الفكر المشائي. ابن تيمية اختار تكسير المنطق اليوناني ونبذ الفلسفة ونكران العقل المنطقي في الصفات الإلهية مع نوع من تأمين بعض المخارج أيضا على الطريقة الأرسطية كما في كتابه على سبيل المثال:درء تعارض العقل والنقل وبعض المقاطع التي مررت عليها في التدمرية.
بينما الرازي قرر هدم حجيّة وبرهانيّة النقاش الكلامي والفلسفي حول هذه القضايا أصلا، وأن العقل لم يستطع حل هذه المسائل ولا أنه يملك طريقة لذلك ودائما ما يجيء بالحجة والحجة المضادة القوية في ذات الموضوع مما يفيد انسداد أفق العقل في هذه المسائل وعندها التعويل على مسلك القرآن أسلم وأحكم وأضمن عند الرازي.
وعند الزنادقة ترك الطريقين معا أو التوقف فيهما.
وحاصل الكلام أني لاحظت وفق اطلاعي البسيط وتحليلي الذي يحتمل عدم الالتفات الجديّ من المتكلمين والفلاسفة لصفة الحياة لله، وأن بنفيها أو إثباتها قد تؤدي بنا لأن نكون داخل سياق الأديان الإبراهيمية أو خارجه تماما وأن صفة الحياة مناقشتها قد تأخذنا لتصورات متناقضة تماما حول العلة الأولى.
وهي مهمة في ظني حتى في نقاش الفيزيائيين حول العلل الأولى، فمثل هذه النقاشات المنطقية هي تبحث عن ما يُمكن أن تكون عليه العلل الأولى. ولذلك بحث مسألة الحياة مهم للكزمولوجي الفيزيائي واللاهوتي والمتكلم والفيلسوف.
وهذا المقال لعل (إذا صحّ أن هذا قليلا أو شبه نادر الالتفات له بخصوص هذه الزاوية من مناقشة وتعميق النقاش حول صفة الحياة للعلة الأولى) فإن هذه هي الإضافة الوحيدة الحقيقية لهذا المقال، وهي فتح مسارات وبعث إشكالية يبدو أنها لم تؤخذ كإشكالية أصلا من قبل التاريخ الكلامي والفلسفي الإبراهيمي.